November 16, 2016

قيادة المرأة بين الشورى والقانون والفتوى

قيادة المرأة بين الشورى والقانون والفتوى
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
16 نوفمبر 2016

ناقشت في مقال سابق خلفيات المشروع الذي تقدمنا به إلى مجلس الشورى في منتصف عام 2011 لدراسة قيادة المرأة للسيارة. ألخص في هذا المقال الجانب القانوني وبعض الفتاوى كما أبحر فيهما العديد من المختصين. يقول المحامي عبدالرحمن اللاحم أن هناك قاعدة يرددها هراطقة القانونيين تسمى “تدرّج القاعدة القانونية”، مفادها باختصار أنه “يجب ألا تخالف القاعدة القانونية الأدنى القاعدة القانونية الأعلى”. بمعنى آخر، لا يجوز لقاعدة قانونية صادرة من وزير مثلاً أن تخالف قاعدة قانونية صادرة من مجلس الوزراء، أو نظام صادر بمرسوم ملكي، أو أمر ملكي، ومتى ما حدث ذلك فإن القرار يعتبر غير قانوني.
ثم يؤكد اللاحم أن “بيان” منع المرأة من قيادة السيارة يخالف نصوص النظام الأساسي للحكم (وهو صادر بأمر ملكي) كما يخالف نصوص اتفاقية سيداو (المعتمدة بمرسوم ملكي)، وعليه فإنه والحالة هذه يعتبر لاغيا وغير ساري المفعول. بمعنى آخر، تصبح قضية قيادة المرأة للسيارة في منطقة “المباح” ولا يمكن نقلها إلى منطقة “التحريم” إلا من خلال مرسوم أو أمر ملكي يقضي بمنع قيادة المرأة بشكل صريح.
القواعد القانونية الصادرة بأوامر ملكية مثل الأنظمة الأساسية التي تعد بمثابة الوثائق الدستورية (النظام الأساسي للحكم، نظام مجلس الشورى، نظام المناطق، نظام مجلس الوزراء، ونظام هيئة البيعة)، تأتي في سلم الهرم التشريعي ولا يجوز لأي قاعدة قانونية أن تخالف أحكامها. ثم يشرح اللاحم قاعدة “تقابل الشكليات”، ومعناها أنه لو صدر نظام أو قرار فإنه لا يجوز التعديل عليه إلا بذات الأداة التي صدر بها، أو بأداة أعلى منه.
بمعنى آخر، لو صدر نظام بمرسوم ملكي فإنه لا يجوز تعديله إلا بمرسوم ملكي أو بأمر ملكي، ولو صدر قرار من مجلس الوزراء فإنه لا يعدل إلا بقرار من مجلس الوزراء أو بمرسوم ملكي وبأمر ملكي. كذلك الأمر بالنسبة للقرار الوزاري فإنه يمكن إلغاؤه أو تعديله بقرار من الوزير نفسه أو بالأدوات التي أعلى منه، وهو ما حصل بالنسبة لـ“بيان” وزارة الـداخلية الخاص بقيادة المرأة للسيارة حيث تم إلغاؤه ضمنيا بنصوص النظام الأساسي للحكم واتفاقية سيداو.
أما في موضوع فتاوى قيادة المرأة، فمسائل الإجماع قليلة ولا يجوز ادّعاء الإجماع من دون وجود دليل. الفتاوى الشرعية الرسمية التي تقرها الدولة لها تقديرها واحترامها، ولكن هناك عدة عوامل اتفق العلماء بموجبها على تغيير الفتوى. من تلك العوامل تغير المكان، وتغير الزمان، وتغير العرف، وتغير الحال. من بعض أمثلة الفتاوى الغريبة “لا يلزم الزوج كفن امرأته ولو كان غنيا، لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع وقد انقطع ذلك بالموت”.
كذلك صدرت فتاوى أخرى كانت لا ترى التأجير المنتهي بالتمليك، ومع ذلك، صدر نظام التأجير المنتهي بالتمليك. ومن الفتاوى الغريبة أيضا التأمين التعاوني الذي كان محرمًا، ثم صدرت فتاوى تجيزه. هناك أيضا فتاوى تحريم كاميرا الجوال، وتحريم التصوير، وتحريم ميكي ماوس، وتحريم جلوس المرأة على الإنترنت من دون محرم، ومحاربة قانون الوحدة الوطنية وغيرها الكثير التي تم نقضها فيما بعد. إذن ينطبق على فتوى عدم جواز قيادة المرأة الصادرة عام 1991 نفس المبدأ السابق شرحه.
ليس هناك فتوى شرعية تحرم قيادة المرأة لذاتها، بل إن الرفض يعتمد على مبدأ “المفاسد” التي (قد) تترتب على القيادة. بل إن الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق الشيخ عبداللطيف آل الشيخ صرح في سبتمبر 2013، بأن حظر قيادة المرأة للسيارة لا يفرضه أي نص شرعي. إضافة لذلك، فإن النظام السعودي للمرور لم يتضمن تحديداً “الرجل” في لوائحه وتشريعاته، وإنما سمّى قائد المركبة بـ“الشخص”. في نفس السياق، المادة 32 في نظام المرور لم تحدد جنس السائق. إذن منع قيادة المرأة ليس مرده للقانون أو الشرع، فالموضوع يتعلق بالجدل القائم، والخلاف هو خلاف بين تيارات فكرية متعددة ضمن مختلف فئات المجتمع.
هل هناك من يعترض على قيادة المرأة؟ طبعاً، ولكن قضايا الحقوق لا علاقة لها بمعيار الأقلية والأكثرية. بمعنى آخر، التذرّع بأن الأكثرية لا تقر قيادة المرأة للسيارة، حتى وإن كانت صحيحة، حجة لا يُعتد بها ولا تعتبر مرجعا قانونيا. على سبيل المثال، لا أحد يصوت على حق المواطن في التعليم أو الحصـول على الرعاية الصحية أو السكن أو الحياة الكريمة، فهذه من واجبات الدولة تجاه مواطنيها.
الإسلام ضمن للمرأة حقوقها الشرعية والمدنية، وقيادة السيارة حق للمرأة كما هي حق للرجل. علينا أيضاً استحقاقات حقوقية في الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها السعودية؛ ومنها اتفاقية “سيداو” التي تقـضي بعدم التمييز ضد المرأة ومنها حق التنقل. لا أريد الدخول في متاهة الضغوط الدولية، فنحن في غنى عنها. ولكن مع مرور الـوقت، تزداد صعوبة مواجهة هذه الضغوط. علينا الالتزام باتفاقية فيينا الدولية للمرور، والتي وافق عليها مجلس الوزراء. نحن ملتزمون بتطبيق هذه الاتفاقية الدولية التي تنظِّم منح رخص القيادة للرجال والنساء.
عودة إلى المشـروع الـذي تقدمنا به لمجلس الشورى عام 2011. في كل مرة يُطرح فيه موضوع قيادة المرأة، يصدح صوت من داخل الشورى أن الموضوع “حساس” ويحتاج إلى معلومات موثوقة. بصراحة لا ألوم أعضاء الشورى، بالنسبة لهم “مواطن مين؟ وبطيخ مين؟”، وشاغلهم الشاغل هو “ترشيد الاستحمام”، و“كفايه دلع”، وأن “السكن ليس حقا للمواطن”، وأن “المملكة خالية من البطالة، والسعوديون لا يقبلون بأي وظيفة”، وأخيرا وليس آخرا حرص الأعضاء على مصلحة الوطن من خلال توصيتهم بمنحهم أوسمة ملكية وتسمية الشوارع بأسمائهم!
اقترحنا على مجلس الشورى في مقدمة مشروع قيادة المرأة تشكيل لجنة استشارية وتنفيذية، لوضع آليات وضوابط شرعية وأمنية ومجتمعية حول قيادة المرأة، تمهيدًا لتهيئـة المجتمع لقبـول فكرة قيادتها للسيارة. الظروف اليوم مناسبة لإعادة دراسة هذه المبادرة، فالمملكة أكدت داخلياً وفي المحافل الدولية أن برنامج التحول الوطني فتح الباب لتعزيز دور ومكانة المرأة في المجتمع السعودي، وتمكينها هي والرجل من الإسهام (بشكل كامل ومتكافئ) في التنمية.
المرأة السعودية الآن أستاذة جامعية وطبيبة متميزة، فكيف نثق بتسليمها أبناءنا وبناتنا بينما ننتزع منها الثقة إذا رغبت في قيادة السيارة؟ وزير الخارجية عادل الجبير قطع الشك باليقين هذا الأسبوع في مؤتمر صحافي مؤكداً بالحرف الواحد “لا توجد قوانين في السعودية تمنع قيادة المرأة للسيارة، ولكنها قضية اجتماعية يتعين على مجتمعنا التعامل معها”. هل هذا التصريح، معالي الوزير، يلغي فتوى الشيخ بن باز رحمه الله، والبيان الرسمي بتحريم ومنع قيادة المرأة؟ ربما كان بالإمكان (وأنت أخصائي الدبلوماسية) تحويل السؤال إلى الجهة المختصة.
عضو جمعية الاقتصاد السعودية
http://www.alarab.co.uk/?id=94881

No comments: