November 10, 2016

مشروع قيادة المرأة يمخر ولا يبحر

مشروع قيادة المرأة يمخر ولا يبحر

عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
9 نوفمبر 2016


في الرابعة بعد ظهر الثلاثاء 6 نوفمبر عام 1990، ومن أمام موقف للسيارات تابع لمجمع تجاري، انطلقت 13 سيارة تركبها 47 امرأة سعودية؛ أكاديميات في جامعة الملك سعود و4 طالبات جامعيات، ومعلمات وإداريات في المدارس، وربات منازل، وسيّدتا أعمال. حصل ما حصل، وسجلت المرأة السعودية موقفاً شجاعاً في المطالبة بحقوقها المشروعة. المفتي العام أصدر فتوى في نوفمبر 1990 بعدم جواز قيادة المرأة للسيارة، وبالتالي صدر بيان وزارة الداخلية في نفس الشهر مبنياً على هذه الفتوى.
تم عرض مشروع قيادة المرأة على مجلس الشورى عام 2005 ورُفِضت مناقشته. في نفس العام، قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -رحمه الله- للمذيعة الأميركية باربرا والترز في برنامج حواري، بأنه يعتقد أن اليوم الذي ستقود فيه المرأة السعودية السيارة في بلادها سيأتي، بل إنها تمارس ذلك بالفعل حالياً في الأرياف والصحاري، فالأمر يمكن أن يعمم ولكنه يحتاج شيئاً من الصبر والتدرج.
في بداية شهر يناير 2011 سُلِّمت “مبادرة قيادة المرأة للسيارة” للأستاذ القدير نجيب الزامل الذي بدوره قام بتسليمها مشكوراً لرئيس مجلس الشورى. كان عدد الموقّعين على المبادرة عندئذ 136 موقعا، وخلال أيام قليلة وصل عدد الموقعين إلى 3500 شخص من المثقفين والأكاديميين والأطباء وربات البيوت ورجال وسيدات الأعمال والإعلاميين من جميع المناطق.
المبادرة دعت إلى قيادة المرأة للسيارة ضمن خطة منظمة في وقت معين من اليوم، وتُحدد له مدينة أو محافظة، مع ضرورة إصدار عدد من القوانين الرادعة والحامية للنساء تطبق بكل شدة والتزام، تحميهن من أي تعدٍّ عليهن أو تحرش بهن. أستغرب تعميم أخلاقيات قلة من الشباب الفاسد الموجودة في كل المجتمعات على جميع شبابنا السعودي. على كل حال، طالبت المبادرة بضرورة تسجيل المخالفات وأن يحال أصحابها فوراً إلى التوقيف والسجن ويغرّموا غرامات مرتفعة رادعة، بحيث لا يتجرأ إنسان على مضايقة السائقات أو إيذائهن.
الاقتراح الذي قدمناه لمجلس الشورى يشمل دراسة تشرح إيجابيات قيادة المرأة والسلبيات الناتجة عن تواجد مئات الألوف من السائقين في المملكة. الدراسة تناقش أيضاً الجانب الديني، وبما أنه لا يوجد نص شرعي يحرّم قيادة المرأة، والأصل في الإسلام الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، فإن مطلب قيادة المرأة للسيارة أصبح اليوم ملحاً لأسباب اقتصادية واجتماعية وأمنية.
اقترحت المبادرة على مجلس الشورى أيضاً إصدار قرارات بتخصيص مدارس لتعليم القيادة تُعتمد شهاداتها لإصدار الرخص، وأيضاً استحداث أقسام نسائية في مراكز المرور تتعامل مع الرخص النسائية والمخالِفات وسوى ذلك، وكذلك تفرض على السيارات التي تقودها النساء أن تكون مؤمَّنة من الأعطال وموقعة عقوداً مع شركات خدمة الطرق التي تصل إلى السيدات في أي مكان تتعطل فيه سياراتهن. هذا فضلا عن ضرورة توعية المجتمع بأن القرار قرارٌ حكومي رسمي يسمح ويحمي من ترغب من المواطنات والأسر في قيادة السيارة ولكنه ليس إلزامياً.
مجلس الشورى هيئة نصيحة، والأمانة والصدق هما أولى سمات الناصح، ومن هذا المنطلق طالبنا بأن يناقش المجلس قضية قيادة المرأة لغرض خدمة الناس وتسهيل مصالحهم من باب الأمانة والنصيحة. في 7 فبراير 2011، نشرت صحيفة الرياض خبراً عن زخمِ من الاتصالات الهاتفية من أولياء أمور الطالبات والمعلمات في الباحة يرغبون في السماح لبناتهم بقيادة السيارة، وأن هذا الحل هو البديل الأفضل لهم مما كان يجري في تلك الفترة من خلوة السائقين المراهقين ببناتهم.
في صباح يوم 15 مارس 2011، تلقيت اتصالاً من رئيس لجنة العرائض بمجلس الشورى (سابقاً) الدكتور مشعل آل علي رداً على خطابي دعاني فيه، مشكوراً، لحضور جلسة مناقشة اقتراح مبادرتنا لقيادة المرأة. ولكن رئيس اللجنة اتصل بعد ساعة من توجيه الدعوة وأبلغني باعتذار لطيف بإلغاء الدعوة من دون إيضاح أي أسباب أو مبررات. لدي اقتناع بأن رئيس لجنة الشورى أحسن النية بتوجيه الدعوة، ولكنه تعرض للضغوط من بعض الفئات المتشددة في المجلس مما اضطره إلى إلغاء الاجتماع.
أحمد بن عبدالعزيز، نائب وزير الداخلية الأسبق، صرح لوسائل الإعلام في المدينة المنورة في 25 مايو 2011 بأن هناك نظاما يمنع قيادة المرأة للسيارة في المملكة صادرا منذ عام 1411هـ. إلا أنه أضاف “من حق الناس أن يطالبوا بقيادة المرأة للسيارة”. في 2 يونيو 2011، أعلن رئيس مجلس الشورى الدكتور عبدالله آل الشيخ “استعداد المجلس لمناقشة موضوع قيادة المرأة للسيارة متى ما عرض عليه”.
بعد تصريح رئيس الشورى بيوم واحد، وفي 3 يونيو 2011 أدلى عضو مجلس الشورى السابق الدكتور محمد آل زلفة بدلوه الشجاع قائلاً إنّ “قضية قيادة المرأة للسيارة ليست بحاجة إلى السجالات الكبيرة في وسائل الإعلام”. أتفق مع الدكتور آل زلفة في أنّ المرأة تطالب بحقها الطبيعي، ولا يوجد في الكتاب والسنة أو القانون أو العرف ما يشير إلى منع مثل هذا الحق. كذلك من المستغرب أن يركن الكثيرون إلى فتوى هيئة كبار العلماء التي صدرت عام 1990 وإلى الأقوال التي ترى بأنّ قطاعات الدولة غير مستعدة أو غير متأهبة لهذا الأمر.
نشرت صحيفة “الحياة” في 2 مايو 2012 تصريحاً لوزير العدل السابق محمد العيسى قال فيه “لا يوجد شيء في الشريعة الإسلامية يمنع المرأة من قيادة السيارة، لكن ذلك يخالف الأعراف ورأي الغالبية في السعودية”. وأشار إلى أن النساء اللاتي يقدن سيارات من دون الحصول على رخص قيادة “مخالفات للقانون”. هل الموضوع هو أغلبية وأقلية أو السماح بالقيادة أو الحصول على الرخص؟
أين كنا حين تم تدشين مدارس البنات، وأين نحن الآن؟ لو أننا أصغينا إلى مطالب المتشددين حينها كيف سيكون مصيرنا اليوم؟ وهل ستخرج لنا سيدات قديرات أمثال خولة الكريع وغادة المطيري وحياة سندي ولبنى الأنصاري وثريا عبيد مثلا؟
في المنطقة الشرقية، تقود العشرات من النساء السعوديات سياراتهن يوميا داخل حرم شركة أرامكو السعودية، لإيصال أبنائهن إلى المدرسة أو التوجه إلى مقار عملهن، أو أثناء توجههن إلى الأسواق لتأمين احتياجات الأسرة، وهو سيناريو يتكرر يوميا من دون أن يترك أي أثر لدى المارة. هل من الأفضل جلب سائق أجنبي يستنزفنا مالياً على حساب الاحتياجات الأسرية وتُسَلم له الابنة في مشاويرها بين المدرسة والعمل والمنزل ساعات طويلة بما يشبه الخلوة، أم أن من الأفضل أن تقود سيارتها بنفسها دون وجود رجل غريب إلى جانبها؟ العائلة التي ترى قيادة السيارة أمراً مُحرّماً فلها ذلك ولن يجبرها أحد على مفارقة ابنتها للسائق الأجنبي لتقود سيارتها بنفسها.

أتفق مع السيدة القديرة عائشة المانع في “أن تحسم السلطة السياسية هذا الجدل وتقرر ما كان يجب أن يكون منذ زمن وهو السماح للمرأة بقيادة السيارة”، كما حسمت من قبل مسألة السماح بتعليم المرأة وحصولها على أوراقها الثبوتية. مشروع قيادة المرأة يمخر ولكنه لا يبحر! 26 عاماً مضت، ولم نحرز أي تقدم في هذه القضية. المرأة السعودية عالمة بوكالة ناسا الفضائية، ورياضية في الألعاب الأولمبية، ومتحدثة رسمية في الأمم المتحدة، ولكنها ممنوعة من قيادة سيارة.
http://www.alarab.co.uk/?id=94296

No comments: