August 24, 2016

حراج الفتاوى

حراج الفتاوى
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
24 أغسطس 2016

في 12 أغسطس 2010 صدر القرار الملكي التاريخي بقصر الفتوى الدينية على هيئة كبار العلماء. قرار حكيم استبشرنا به خيرا، ولكنه لم يفلح، للأسف، في لجم من لم يحترموا حقوق الإنسان وحريته أو الحب في قلبه والحلم في عقله. أهمية القرار هي الحد من فوضى الإفتاء التي مازالت منتشرة إلى اليوم؛ ستة أعوام بعد صدور القرار.
عانى المجتمع من فتاوى تحريم الصور والتلفزيون، و“إرضاع الكبير”، وعدم جواز لعب الشطرنج، أو حتى تطوير المناهج، والتي انتشرت في زمن الصحوة عندما كانت الفتاوى تستعر كما النار في الهشيم. تلك كانت مرحلة التوتّر والتشنّج التي لم تترك حلالا إلّا حرمته من منطلق التسلط المُطلق وامتلاء الذات.
لعلّي أذكركم بفتاوى كراهية المرور بالطائرة فوق البلدان الكافرة، وتحريم “البوفيه المفتوح”، ووجوب قتل شخصيات كرتونية، وتحريم قيادة المرأة. عاش المجتمع السعودي عقودا طويلة يخضع لفتاوى متشددة وتأويل التحريم، ليست تلك إلا أقلها.
من منا لا يتذكر فتوى تكفير الكُتاب والإعلاميين، وتحريم إهداء الزهور للمريض، وضرورة إعادة بناء الحرم للفصل بين الجنسين؟ لم تترك هذه الفتاوى التسلطية وغيرها شيئا لم تحرّمه، حتى ورود المستشفى “ذُبِحَتْ” عن بكرة أبيها.
أبدع نجوم الصحوة بتأليف الفتاوى فأصبحت لكثرتها نوعا من الهوس. لعلي أذكركم بتحريم لبس عباءة الكتف، وتحية أهل الكتاب ومعايدتهم، وتحريم رياضة البنات. للأسف تم تمييع مصطلح “الفتوى”، فأصبح بعضها (أستغفر الله) أمرا ملزما كالكتاب والسنة. لزيادة الطين بلة، تتناقل وكالات الأنباء البعض من هذه الفتاوى المضحكة بقصد الإساءة إلى الدين وإلينا. انتهز الإعلام الأجنبي تحريمنا استخدام أطباق الفضائيات، وعدم الوقوف للنشيد الوطني أو تحية العلم، ومنع فتح محلات “الكوافير” للنسـاء واستغلها لإكمال المسرحية الهزلية حولنا. لا تستغربوا، فهذه المشاهد من تأليفنا وإخراجنا، وأبعد ما تكون عن التوازن والانسجام.
طيّب، كيف الخروج من هذا المأزق الذي وضعنا نحن أنفسنا فيه؟
بداية علينا الخروج من دوامة الحلقة المفرغة التي تقودنا إلى الضياع، وهذا يشمل إنهاء التلبس الكامل بثياب المحرمات.
نحن بحاجة إلى تجديد دماء هيئة كبار العلماء، وتوسيع شريحتها الطائفية والجغرافية بحيث تصبح أكثر تمثيلا لجميع (أكرر جميع) أطياف المجتمع. علينا تطبيق الأمر الملكي على من هم خارج الهيئة الذين اغتالوا التنوع الثقافي بمن فيهم فتى الشاشة وجوكر الفضائيات.
لنفتح الأبواب على مصراعيها لنقد الفتاوى، وخاصة تلك التي تتعارض مع سماحة الدين الإسلامي الحنيف. انزعوا القدسية عن الذين يحاججون دون مرجعية شرعية، والذين عارضوا تجريم التحرش وقانون الأحوال الشخصية ونظام الوحدة الوطنية وقانون منع زواج الصغيرات. وبرغم الألوف من الفتاوى، لم نسمع عبقريا واحدا يحرّم (أو حتى ينهى عن) رمينا للقمامة في منطقة ملعب فولهام الإنكليزي هذا الأسبوع، والتي أزعجت الأحياء والمنازل وأعطت صورة غير “نظيفة” عن تصرفاتنا في الخارج.
ليت التنطع لا يعمي بصائرنا عن تحرير منهج حياتنا من الأدلجة، تذكروا أن الغلاة هم من سرقوا الفرح والبهجة، وحرّضوا أبناءنا على الالتحاق بفصائل الإرهاب.حان الوقت لإغلاق حراج الفتاوى، الفتوى ملزمة فقط بقوة وحكمة القرار السياسي، وليس بأمر سماسرة الحراج.

http://www.alarab.co.uk/?id=88240

No comments: