July 8, 2016

الداعية المزيف

الداعية المزيف
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
8 يوليو 2016

قام أحد الأشخاص بعد صلاة الجمعة وألقى موعظة مؤثرة تمتاز بسرد الطرائف وهو ما شد انتباه الجميع. ثم قام رفيقه معقبا بأننا، كمسلمين، نريد ممارسة عمل “الدعوة” العظيم الذي هو عمل الأنبياء عليهم السلام. كان هذا اقتباسا من مقال الكاتب فهد الأحمري عن تجربته الشخصية في إحدى صلوات الجمعة في حي المنيرة بآرامكو في الظهران سنة 1979 أثناء عمله بالشركة.
استمر التشويق والتحريض في المسجد – يقول الكاتب الأحمري – لغرض تسجيل أسماء من يرغبون في الذهاب في رحلة جماعية “دعوية”. تبين لاحقا أن الجماعة التي نسقت تسجيل الأسماء في مسجد سكن آرامكو، هي نفسها التي قادها جهيمان العتيبي لاحتلال الحرم المكي الشريف. 
احتل جهيمان بيت الله واحتجز المصلين وعطل الصلاة فيه، وكانت الحصيلة سفك الدماء بين قتلى وجرحى في الشهر الحرام وفي البيت الحرام.
انتشرت الخطب الوعظية المبطّنة بمنتجات الصحوة، لترهيب خلق الله ولعصف عقول أبناء الوطن بما تحمله من كم هائل من الإرهاب الفكري. كيف لوزارة الشؤون الإسلامية السيطرة على هذه الخطب وعدد المساجد التي تشرف عليها الوزارة يفوق 87 ألف مسجد في مختلف مناطق المملكة؟
لم تكن “الموعظة” المشؤومة في مسجد المنيرة بحي آرامكو الأولى أو الأخيرة. كذلك فإن العملية الإرهابية لترويع المسلمين في المسجد النبوي في المدينة المنورة هذا الأسبوع ليست جديدة. تم القبض الشهر الماضي في المدينة المنورة على إمام مسجد بحوزته أسلحة ومتفجرات تثبت عضويته في تنظيم داعش الإرهابي، وأوقفت وزارة الشؤون الإسلامية إمام مسجد آخر في الرياض إثر تحرشه بطفل في مقطع فيديو.
مازال الداعية المزيف يحرض الشباب ويدفعهم باسم “الصحوة” إلى مصيدة الكراهية يوما بعد يوم، ويستمر على نشر ثقافة اليأس وقرع الأجراس بقرب الساعة ودنو الآجال. كل هذا تحت عنوان واحد: أن الدين كله مختصر في التحريض على قتل “المشركين والنصارى والكفار”.
داعية التطرف والتحريض المزيف “الحركي” معروف، وربما يشار إليه بالبنان بين رَبعِه لتَفَوقه بتمرير الأحاديث الموضوعة والمكذوبة. نعم هو بذاته صاحب البشت المطرز وساكن القصر العاجي الذي بشر الأمة بالخلافة. هو نفسه نجم برامج الفتاوى والمُنَظِر في حلقات التدريس. الكارثة هي انسياق صغار السن خلف الدعاة المزيفين، فيحصدون جرعات الموت ويتم حرقهم في أرض المعارك.
نجح المحرضون، للأسف، في الترويج “للجهاد” ووأد الشباب بكل ما يحملونه في قلوبهم من تفاؤل وحياة. من الأمثلة الحية جماعة الإخوان المسلمين الذين نقلوا فكرهم الحركي المقيت عبر عشرات السنين لنشر ثقافة الإحباط ولذة “الاستشهاد” وعودة الخلافة وصور عذاب القبر وعذاب النار.
علينا الاعتراف أنه مازال بيننا من هم خارج المساءلة ممن يَدْعون إلى خراب الدنيا عوضا عن الدعوة إلى عمارة الأرض. مازال بيننا من يحرض عبر فتاوى الحقد والكراهية على القتل ونحر الأقارب وجز الرقاب، عوضا عن السعي في تحصيل العلم وبناء الوطن والتنمية والرخاء ونشر القيم الإسلامية السمحاء التي تحفز على العلم والعمل والبناء.
الصورة ليست كلها قاتمة، وليس كل داعية كاذبا مزيفا. عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع أكد جواز دخول المرأة في “كبار العلماء” كعضو، مستشهدا بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم. عـائشة كانت مؤهلة بالعلم والإدراك والقدرة على القول في الأمور الشرعية بما تراه. حفصة، ومعها مجموعة كبيرة من صاحبات رسول الله، كن يبدين آراءهن الشرعية في أمور الحياة. 
هذه هي الوسطية في الإسلام.

http://www.alarab.co.uk/?id=84546

No comments: