March 30, 2016

الطعن في الكفن

الطعن في الكفن
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
30 مارس 2016

حتى نخيل بريدة رَثَتْ الكاتب السعودي عبدالرحمن الوابلي، اليوم أسدل الستار على تاريخ ثري ومشرف للدراما السعودية.
هنا تنعي كتاباته في “طاش ما طاش” و”سيلفي”، التي أضحكتنا كثيرا وأبكتنا كثيرا سيرة هذا المواطن الوفي لدينه وبلده وفكره.
عرفنا الوابلي كاتبا مستنيرا دافع عن قيم الحرية، حرية إبداء الرأي دون إقصاء أو شتم أو سب أو تهميش. من كان يعلم أن الوابلي الذي حارب التطرف بكل أشكاله وألوانه، أنه كان سيغادرنا مبكراً بقلبٍ حزين على وطنه ومجتمعه كل هذه السنين؟
من يريد التعرف أكثر على عبدالرحمن الوابلي، فعليه بكتابه الشهير “الأسباب في كره معارض الكتاب”، والذي يخط فيه بأناقةٍ متناهية وأدب رفيع خلفية ودوافع التيار الظلامي المتشدد.
تحدث الوابلي في كتابه عن صياغة حقوق الإنسان المعنوية وحماية كرامته، لتكون محفولة ومكفولة في مقدمة دساتير الدول المتحضرة. الوابلي لم يصادر رأيا ولم يرد على قذارة الشتائم أو انحطاط الفكر واللفظ أو التعبير.
تحدث في مقالاته وكتبه عن الإصلاح الاجتماعي؛ هذا المصطلح النبيل الذي يمقته الظلاميون. تحدث عن العدل والمساواة؛ تلك المبادئ السامية التي يحاربها المتشددون. نادى بالحريّة الفكرية؛ تلك الغاية النقية التي يحاربها الغلاة والصحويون.
قليلون هم الكتاب والمفكرون الذين لا يبنون حواجز إسمنتية بين شهاداتهم العلمية العليا وبين رغبات الشعوب. قليلون من انفتحوا على الآخر المختلف معهم بروح رياضية. الوابلي سعى بقلمه الطاهر النقي إلى ترسيخ واقع وطني بأفكار جديدة أرسلها من الوطن إلى داخل الوطن. سعى -رحمه الله- لإيصال رسالته بهدوء وحكمة، لم يكره المختلفين معه ولكنه جادلهم بالمنطق والموعظة الحسنة.
تقول الجوهرة الوابلي، شقيقة الراحل “كان من الداعمين للنساء ومحفزاً للتعليم، كان قريباً من قلبي وعقلي”. لن ننسى يا الجوهرة أن عبدالرحمن كتب عن خوضكِ تجربة ترشيحك في انتخابات المجلس البلدي في بريدة، وكيف وصف مدى الجهد والنبل والعطاء الذي بذلتيه في حملتك الانتخابية. ربما لم يحالفك الحظ هذه المرة للفوز بمقعد في المجلس البلدي؛ ولكنكِ (كما قال عنكِ في مقاله) بكل جدارة فزتِ بحب وتعاطف جميع من هم حولك من أقارب ومعارف، من بداية حملتكِ الانتخابية حتى يوم إعلان النتائج.
في لقائه التلفزيوني الأخير، ضيفا مع الزميل سلطان القحطاني، لخص الراحل الوابلي عصارة فكره ونظرته إلى المجتمع من حوله. وكما كان يشرح رسالته النقية في كتاباته، كذلك كان حاضراً في المقابلة بعشقهِ لوطنه. وكما كانت المسلسلات التي كتبها، كان رحمه الله في المقابلة، يوصل رسالته الفكرية بأسلوب سهل وصارم وممتع.
طالب الوابلي بمحاربة الإرهاب من خلال كتبه “نحو هيئة وطنية لمكافحة التطرف والإرهاب”، و”لماذا ينتصر الإرهاب”، و”صناعة الانتحاري في 6 أشهر”. رفع راية الإسلام والسلام عالياً، ومع كل هذا، يتشدق المنافقون في وسائلهم الملتوية المقيتة أن الوابلي “حارب الله، ولا يجوز الترحم على من حارب الله ورسوله”. هكذا هو عفن الخصومة والطعن في الكفن.
قال في مقالاته عن عصابات معارض الكتاب أن هدفهم هو حرق الكتب، وإن لم تستطع مصادرتها فتحريمها ومنعها من الوصول للناس، خاصة الأتباع منهم. كان يعلم تخوف هذه الميليشيات الهش من القراءة، فهم سقطوا أمام فكره الطاهر دون أن يطرحوا أي وجهة نظر بديلة أو نقاش مفيد.
الشتامون الذين قالوا إنهم انتصروا على عبدالرحمن الوابلي صادقون… انتصروا عليه في بذاءة القذف والشتم والسب، لكنه انتصر عليهم بحسن الخلق ورجاحة العقل والأدب.


No comments: