November 11, 2015

أصبح عندي الآن بطانية

أصبح عندي الآن بطانية
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
11 نوقمبر 2015

من منا، من جيلي على الأقل، لا يتذكر قصيدة “أصبح عندي الآن بندقية” التي غنتها أم كلثوم عام 1969. تقول كلمات الأغنية “أصبح عندي الآن بندقية…إلى فلسطين خذوني معكم…إلى فلسطين طريق واحد…يمر من فوهة بندقية”. جاءت القصيدة نتيجة حرب 1967 واحتلال إسرائيل لما تبقى من الأراضي الفلسطينية. ألهبت قصائدنا مشاعر الشعوب العربية، فانطلقنا في حروب وهمية خسرنا فيها الكرامة وسقطت البندقية وضاعت القضية.
تغير الزمان وتبدلت الظروف وأصبح المكان غير المكان، أصبح المواطن العربي اليوم يبحث عن كرامة، أو حتى بطانية.
تونس، الدولة الوحيدة التي تم فيها تسليم السلطة دون إراقة دماء، اجتازت انتخابات حرة ولكنها مازالت الدولة التي “صدّرت” أكبر عدد من المقاتلين لتنظيم داعش. وكأن هذا لا يكفي، أصبح المواطن التونسي اليوم أسير حزب الإخوان الذي تغلغل في السياسة التونسية.
في ليبيا، انطلقت مروحيات حربية من قاعدة بنينا الجوية في مدينة بنغازي، لا لتقصف تل أبيب، بل لقصف مواقع للجماعات المتطرفة الارهابية في داخل ليبيا. ومازالت مسرحية “من أنتم؟” مستمرة دون توقف.
مصر تعاني في ثلاث جبهات رئيسة: الحالة الأمنية في المطارات المصرية بعد تفجير الطائرة الروسية، والوضع الاقتصادي المتردي، واستمرار جماعة الإخوان الإرهابية في الخوض في الشأن الداخلي المصري.
أما السودان، والذي تمزق إلى شطرين متناحرين بعد سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية، فصفحته “الناصعة” سجلت مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين منذ 2013 بسبب النزاعات القبلية والحروب الأهلية.
اليمن (السعيد) يترنح تحت وطأة الحرب التي سببها الانقلابيون الحوثيون والمخلوع صالح. ميليشيات الحوثي تزرع الألغام، ليس لتحرير القدس، بل في أحياء تعز الأبية. الحوثيون يتباهون بحصار المستشفيات والقصف العشوائي للأحياء السكنية اليمنية.
لبنان هو الآخر سقط شهيدا يبحث عن بطانية. سقط لبنان تحت احتلال ميليشيا حسن نصر الله الإرهابية، وسقطت بيروت تحت احتلال أكياس النفايات منذ أكثر من ثلاثة أشهر دون أمل في آخر النفق أو حتى بوادر مصالحة نيابية.
أما ياسمين الشام، فقد لوثته أقدام الحرس الثوري الإيراني وأحذية حزب الله وطائرات الموت الروسية. لسبب ما، مازال العالم يحمي الأسد الذي حوّل سوريا من صبية فاتنة عذراء إلى غابة تسكنها الذئاب البرية.
العراق يعاني من جرائم تنظيم “داعش” بحق المسيحيين والإيزيديين من جهة، ومن التمزق السياسي الذي خلفه الاحتلال الأميركي والوصاية الإيرانية من جهة أخرى. المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، يحذر البرلمان من التخوف من “الإصلاحات” التي أعلنها رئيس الوزراء حيدر العبادي، وكأنها ميثاق حمورابي.
أما الشعب الفلسطيني، وهو المعني بحمل البندقية، فهو إما يتم إعدامه يوميا في شوارع القدس القديمة، وإما في شتات المخيمات يبحث عن بطانية. عصية هي القدس على إسرائيل كما كانت عصية على النفوذ الفرعوني والاحتلال البابلي وطمع الإسكندر الأكبر والحملات الصليبية.
هل سيتغير وضع العرب بعد عام أو عشرة أعوام من الآن؟ هل سيتحقق حلم المواطن العربي ليقف فخورا بانتقاله إلى الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أم أنه سينشد “أصبح عندي الآن بطانية”؟
ما أخشاه أن يكون حلم المواطن العربي القادم ليس البحث عن بندقية أو حتى بطانية، بل الحلم بالحفاظ على ملابسه الداخلية.

http://www.alarab.co.uk/?id=66020

No comments: