November 4, 2015

هل يخرج من المستنقع أمل

هل يخرج من المستنقع أمل
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
4 توفمبر 2015

الأهداف الرئيسية في مشروع دفع الرسوم على الأراضي البيضاء الذي بدأ مجلس الشورى السعودي مناقشته الاثنين الماضي، أن يكون نظاما متكاملا يهدف إلى تنظيم السوق، وكسر الاحتكار، والحد من غلاء سعر الأراضي السكنية، وزيادة المعروض من المساكن من خلال تحفيز مُلاك الأراضي البيضاء، إما لتطويرها أو لبيعها لمن يطورها إلى مساكن أو خدمات، وبالتالي تمكين المواطن من تملك مسكن ملائم له ولعائلته.
وزارة الإسكان وضعت ثلاثة شروط لإعفاء المواطنين الذين يملكون أراضي تزيد مساحتها على عشرة آلاف متر من فرض الرسوم عليها. الشروط هي ألا يملك المواطن مسكنا، وألا تزيد ملكيته على أرض واحدة، وأن المساحة تحددها اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الموضوع بعد إصدار النظام. في نهاية الأمر، عمارة الأرض ستؤدي إلى الاستقرار الاقتصادي للمواطن.
لم يتأخر المحتكرون كثيرا، ظهر طفح جرثومي استباقي من قبل بعض أصحاب العقارات للتحايل على نظام فرض الرسوم على الأراضي البيضاء. المحتالون الذين أتقنوا لعبة السعار العقاري نعرفهم تماما، وربما لن تغير توصية الشورى من المعاملة “الناعمة” التي يحظون بها. لا تسألوني لماذا تذكرت هنا قول جبران خليل جبران “لم يعمل البشر بمقتضى القول القائل خير الأمور الوسط، لذلك تراهم يقتلون المجرمين والأنبياء”.
تهافَتَ العقاريون الأشاوس على المحاكم زرافات وأفرادا بهدف تجزئة الأراضي التي يملكونها واستخراج صكوك لها بأسماء مختلفة من نفس العائلة، بهدف الهروب من دفع الرسوم والتحايل على النظام حتى قبل مناقشته.
ما الذي شجعهم على التحايل؟ يقول أبو العلاء المعري “والأرضُ للطوفان مشتاقةٌ… لعلها من دَرَنٍ تُغْسَلُ”.
الدافع هو الفساد المستشري في نفوس بعض (ولا أقول كل) العقاريين وخوفهم من الجدية والحزم في تطبيق القرار، إن تم تطبيقه بعدل ومساواة. المشروع لا يستهدف فرض الرسوم بحد ذاتها، بل لإيجاد بيئة محفزة للقطاع العقاري للقيام بدوره في خدمة الاقتصاد المحلي.
وكما دأبت بعض المدن الكبرى على التمدد الأفقي ممّا يجعل إيصال الخدمات إلى أماكن بعيدة مكلفا للغاية، كذلك فإن جيوب هؤلاء العقاريين دأبت على التمدد والانتفاخ والتوسع. من هو الضحية؟ المواطن العادي الذي لا يتوفر لديه النقد لتطوير أرضه فاحتفظ بها لأبنائه، أو المواطن “الغلبان” الذي لم يحصل على التراخيص لطول استخراجها، أو الذي ينتظر دوره في قوائم عشرات ألوف المواطنين أمام بوابة صندوق التنمية العقاري.
ليس لدي أدنى شك في أن ملف الإسكان هو الأكثر سخونة في المرحلة الحالية الحرجة. هناك أسئلة كثيرة: متى يبدأ الإعفاء من الرسوم؟ هل ستُمنَحْ مهلة لملاك الأراضي قبل تطبيق الرسوم وفق برنامج زمني متدرج لضمان عدم حدوث اضطراب في السوق، أو تسبب في ارتفاع أسعار مواد البناء؟ هل سَيُفَعَل النظام أم يموت مثل برنامج التثمين العقاري؟
أعضاء مجلس الشورى في موقف لا يحسدون عليه، فالمطلوب منهم مراجعة ملف رسوم الأراضي بسرية كاملة. تبرير المجلس حرصه على السرية، لكي لا تتكون حوله تصورات خاطئة، غير مقنع بتاتا. أتمنى أن يناقش المجلس هذا المشروع الذي يساهم في تنمية قطاع الخدمات العقارية في جلسة علنية حتى تتكشّف كل الأمور، بل أقترح أن تتم دعوة المواطنين والمختصين لسماع آرائهم. المفروض مناقشة جميع المحاور بشفافية؛ الأراضي المطورة وغير المطورة، وأيضا أن تكون الرسوم حسب سعر الأرض وليست مقدارا ثابتا.
يقول نجيب محفوظ “إننا نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف تأمل أن يخرج من المستنقع أمل؟”
نأمل أن يحوّل المجلس هذا المستنقع إلى نهر غزير يعم الوطن كله.

http://www.alarab.co.uk/?id=65486

No comments: