August 26, 2015

أربطوا الأحزمة

أربطوا الأحزمة
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
26 أغسطس 2015

الحديث عن الاقتصاد السعودي تجربة شائكة، سأحاول تلخيصها في ثلاثة محاور: الوضع الحالي، التوقعات، والاستحقاقات.
الوضع الحالي ناتج عن انهيار أسعار النفط إلى أكثر من النصف، أي أدنى مستوى لها منذ الأزمة العالمية في 2008، مما سيحدث انخفاضا كبيرا في إيرادات التصدير.
تقرير الاقتصاد السعودي لعام 2014 أظهر أن هناك ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية منذ عام 2008. الغريب أن الأسعار المحلية لم تنخفض رغم تراجع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بسبب الحصاد الوافر وقوة الدولار وانخفاض أسعار النفط.
الوضع الحالي يمثل عدة تحديات من ضمنها ركود السوق العقاري السعودي، واستمرار دعم الوقود مع عدم وجود وسائل مواصلات عامة حديثة، وانخفاض أسعار معظم أنواع السلع عالميا وارتفاعها محليا، واحتلال السعودية المرتبة الثانية عالميا في التحويلات المالية للمغتربين بـ45 مليار دولار، والانهيارات المتتالية لسوق الأسهم، أضف إلى ذلك أننا لجأنا إلى السندات لسد العجز رغم السحب من الاحتياطي بنحو ربع تريليون ريال حتى مايو الماضي.
الصورة ليست قاتمة تماما، احتياطيات الدولة أكثر من 2.2 تريلون ريال سعودي، وقد نجحنا في الماضي بتقليص حجم الدين العام، ومازالت السعودية بفضل الله من أقوى الاقتصاديات نموا في مجموعة الـ20. نعم، صمد اقتصادنا في فترات ماضية ولكن ليس دون تضحيات.
ما هي توقعات الاقتصاديين؟ صندوق النقد الدولي يتوقع أن يتباطأ نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في السعودية إلى 2.8 في المئة هذا العام، ثم إلى 2.4 في المئة عام 2016. لذلك، استمرار العجز سيجعل الدين خيارا لسد الاحتياج قبل مواجهة سنوات عجاف. ماذا لو استمر الدولار بالارتفاع؟ ارتفاع الدولار يعني انخفاضا في المواد الاستهلاكية، مما سينعكس سلبيا على الصادرات السعودية، أي أن صادراتنا ستصبح أكثر تكلفة نظرا لارتباط الريال بالدولار، وبالتالي قد نشهد تراجعات في ربحية الشركات.
السيناريو الأكثر سوءا هو احتمال استمرار ارتفاع نسبة البطالة، وخفض المصروفات وإلغاء بعض المشاريع وارتفاع التضخم، وتأثر الشركات في قدرتها على تمويل عملياتها الاستثمارية. النظرية الاقتصادية تقول: إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فهذا سيرفع تكلفة الدين، مما يؤثر في صافي أرباح الشركات. الواضح أننا سنشهد تسجيل عجز في نهاية هذا العام. ما هي نسبة العجز؟ ربما بحدود 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وربما أقل.
ما هي الاستحقاقات؟ أمامنا عدة خيارات بعضها أكثر قسوة من غيرها. على رأس القائمة تنويع مصادر الدخل مع وضع خطط تنموية تخفف تدريجيا من اعتماد اقتصادنا على النفط. للأسف هذه الجملة نلوكها في خطط التنمية دون أي نتيجة تذكر. حان الوقت للتخلي عن البيروقراطية، فهي مكلفة جدا للاقتصاد الوطني.
الصندوق الدولي اقترح إجراء إصلاحات شاملة في “أسعار الطاقة وإحكام فاتورة الأجور في القطاع العام ورفع كفاءة استثماراته، وتوسيع نطاق الإيرادات غير النفطية، مع استحداث ضرائب على القيمة المضافة وضريبة على الأراضي”.
شخصيا، أؤيد فكرة حض القطاع الخاص على تحمل المسؤولية مع الاستثمار في التقنية الحديثة والأنظمة الرقمية. كذلك لا أرى خللا اقتصاديا في إصدار سندات لتغطية عجز الموازنة والنفقات الحكومية. بالمناسبة، سحب جزء من الاحتياط النقدي، وإصدار سندات جديدة ليس كارثة، ولكن هذا لا يعفينا من إيجاد حلول بديلة.
أتفق مع طرح الأستاذ عبدالرحمن الراشد في مقاله الأسبوع الماضي أنه ليس سيئا أبدا أن تنخفض مداخيل البترول، “لأننا في حاجة إلى صدمة حتى نستفيق على الحقيقة، نستبق الصدمة الأكبر ونصحح المسارات”.
الوضع ليس سيئا تماما ولكنه، حتما، ليس وردي الملامح. اربطوا الأحزمة، فنحن على أبواب مرحلة اقتصادية حرجة.

http://www.alarab.co.uk/?id=60299



No comments: