July 15, 2015

ولي أمرك أدرى بسفرك

ولي أمرك أدرى بسفرك
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
15 يوليو 2015

ونحن على أعتاب إجازة صيفية، طالعتنا صحيفة “الرياض” بتصريح للجوازات أنهم ماضون قدماً في وضع ضوابط جديدة لتحديد صلاحيات سفر المرأة، وتسهيل إجراءاتها دون إذن ولي أمرها.
الأصل في الخبر إيجابي، وهو تطوير خدمات الجوازات وتسهيل إجراءات سفر المرأة. ولكن هذه الضوابط “الجديدة” تُشَكِّل حَجْراً على حق المرأة بالتَنَقُل، وتمييزاً ضدها قانونياً وتنظيمياً واجتماعياً. تصريح الجوازات أن “أي خطاب يردهم من المحكمة بعدم ممانعة سفر المرأة أو استخراج وتجديد الجواز دون إذن ولي الأمر سيتم تنفيذه”، يزيد الأمر تعقيدا.
تحرص السعودية ألا تتعارض معايير العدل مع أنظمة الدولة أو مع المواثيق الدولية. المادة الثامنة في النظام الأساسي للحكم تنص على أن الحكم في المملكة العربية السعودية “يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة”. بالتالي، من غير العدل والمساواة أن يمتلك أحد الجنسين لوحده حق استخراج الوثائق الرسمية وحق السفر.
السعودية أيضاً وقعت على اتفاقية “سيداو”، وهي إطار تنظيمي لمناهضة التمييز ضد المرأة بكافة أشكاله. طبعاً هناك من سيصف تلك الاتفاقية بالفساد وأنها تتنافى مع العادات والتقاليد، ولكنها في نهاية الأمر اتفاقية دولية رسمية وقّعت عليها السعودية بموجب مرسوم ملكي، وهي مقتنعة بأهميتها وملتزمة بتطبيقها.
حصول المرأة على جواز سفرها، وسفرها لا يمت بصلة للتغريب أو التحرر والصفات الأخرى التي يتلذذ البعض بإطلاقها.
الإشكال في القرار الأخير عن سفر المرأة هو أن الشاب في العشرين من عمره مثلاً لا يُطلب منه إذن ولي الأمر عند إصدار جواز سفره أو عند سفره. المفارقة هنا أن والدة هذا الشاب (الذي حملت به وأنجبته وأرضعته وأطعمته ونظفته وسهرت الليل عند مرضه) عليها إحضار خطاب من المحكمة لإصدار جواز سفر لها أو السماح لها بالسفر.
لا أرى سبباً مقنعاً لهذا الخطاب، لأن تطبيقه على المرأة دون الرجل فيه امتهان لكرامة المرأة وتمييز ضدها. إضافة إلى ذلك، تعاني المحاكم من نقص حادِ في عدد القضاة، فكيف نتوقع منهم التفرغ للنظر في أسباب وحيثيات وتفاصيل سفر 9 مليون امرأة سعودية؟
تطبيق هذا القرار يعني معاملة المرأة كالمجرمين لا يسمح لها بالسفر إلا بإذن من المحكمة، وما يصاحب ذلك من إجراءات معقدة تعتمد على مزاجية القاضي قد تعطل شؤونها الحياتية. إضافة إلى ذلك، هذا القرار يعزز النظرة الذكورية أن المرأة غير مؤهلة لاتخاذ قرارها بذاتها ويؤكد الوصاية عليها. في معايير الأهلية القانونية، يصبح الإنسان (رجلاً أو امرأة) حراً كامل الأهلية ببلوغه (بلوغها) سن الرشد وبذلك يتأهل (تتأهل) للمسؤولية التامة عن نفسه (نفسها).
يبدو أن المرأة ستظل مختومة بالشمع الأحمر طالما أن الحرس القديم هو صاحب القرار الوحيد على شؤونها منذ ولادتها، مروراً بتعليمها وعملها وسفرها وابتعاثها وتنقلها وحضانتها لأولادها إلى حين دفنها.
ليس مستغرباً أن المعارضين لنيل المرأة حقوقها هم أنفسهم (سدنة ختم الشمع الأحمر) الذين يصوتون بـ”لا” لتحديد سن للزواج، ويتلبسون بالأعراف لمنع صدور مدونة الأسرة، وحرية التنقل، وقانون التحرش، وقانون الأحوال الشخصية.
حقوق المرأة الشرعية والمدنية وتمكينها والقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّها أصبحت اليوم من أهمّ القضايا المطروحة في الساحة السعودية. الآثار السلبية لهذا التمييز هي أن تظل المرأة السعودية “مُحَجَّمَة” وأن يتم إقصاؤها من الشأن العام تحت راية “الخصوصية”. لماذا يجب أن يظل سفر المرأة رهينة مَحْرَمِ جائر أو ورقة من محكمة؟ لماذا إضافة المزيد من الحجر على تنقل المرأة؟
قال الرسول صلى الله عليه وسلم “استوصوا بالنساء خيراً”. حان الوقت لوقف ظاهرة استصغار المرأة والتقليل من شأنها، أو التعامل معها بفكر محاذير الشك والخوف والريبة. حان الوقت لوقف التمييز ضد المرأة واضطهادها، حان الوقت لإعطاء المرأة حرية تنقلها وتقرير مصيرها بنفسها.

عوضاً عن إهدار جهد ووقت القضاة والمحاكم في مطاردة المرأة في سفرها، عليكم ملاحقة موظفي البلديات المتاجرين بالمنح السامية، والتجار المتلاعبين بالتأشيرات، وأصحاب العقارات المسجلين في الضمان الاجتماعي، وعصابات التسول التي تمول الإرهاب.

http://www.alarab.co.uk/?id=57190

No comments: