June 3, 2015

والد الشهيدين



والد الشهيدين
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
3 يونيو 2015

في مجلس السيد علي الناصر في الدمام، عزاء طاهر لشهداء القديح والعنود. من بين الحاضرين السيد جمعة الأربش، والد الشهيدين عبدالجليل ومحمد، هذا الرجل الصابر المؤمن الصامد. قبّلت جبهته، وتحدثنا عن التضحية...
والشهادة...
والجنة...
وأشياء أخرى جميلة.
ما شاهدته وعشته هو منظر يحرك الصخر للم الشمل وتضميد الجراح وإنقاذ ما تبقى من مشروع الوحدة الوطنية. لم أسمع أحدا هنا ينجرف خلف التشنج الطائفي أو الفوضى والكراهية.
ولأن لكل نواحي الحياة جانبا مضيئا ومُشَرِفا، فقد لطم أهلنا الكرام في القطيف وجه كل من يحاول أن يعبث بأمن الوطن. سمعت عددا كبيرا من أهالي القطيف الأفاضل يؤكدون على أهمية تلاحم المواطنين للتصدي لكل من يحاول إثارة الفتنة، أو التربص بالوطن والمواطنين.
الجلوس بجانب علي الناصر متعة وصفاء ونقاء.
لم يحدثني عن مطالب الطائفة الشيعية الكريمة...
أو عن الطرق والخدمات...
أو حتى المناهج والمدارس...
أو المستشفيات. 
حدثني بشغف وحب عن اللحمة الوطنية.
التعاطف مع أهالي الشهداء مطلوب، ولكن المساندة الرسمية أيضاً مهمة، ليس فقط لجمعة الأربش، بل لجميع من عانوا من آفة الإرهاب على أرض هذا الوطن الحبيب. الجرائم الإرهابية التي استهدفت القديح والعنود، استهدفت أبناء الوطن بكافة طوائفهم ومذاهبهم وألوانهم.
فقدت عائلة الأربش المحمدين وعبدالجليل، ونحن ندعو الله أن يحتسبهم شهداء لأنهم أنقذوا مئات المصلين.
تقطعت السبل ونحن ندعو لتطبيق المادة (12) في النظام الأساسي للحكم، والتي تؤكد على حماية الوحدة الوطنية والوقوف ضد كل من يريد الإساءة إليها. الملك عبدالله رحمه الله كان سباقاً للدعوة إلى الوحدة الوطنية، فأسس مبادرة الحوار الوطني في عام 2002 وكان حينها وليا للعهد. كانت هذه مرحلة هامة وفاصلة في التاريخ السعودي الحديث حيث تم الاعتراف -ضمنيا ولأول مرة- بالتعدد المذهبي، وتمت دعوة رجالات وشخصيات كل مذهب لحضور جلسات الحوارات الوطنية.
الملك سلمان بن عبدالعزيز سار في نفس الاتجاه، فأكد بعد جريمة القديح أن “كل مشارك أو مخطط أو داعم أو متعاون أو متعاطف مع هذه الجريمة البشعة سيكون عرضة للمحاسبة والمحاكمة، وسينال عقابه الذي يستحقه، ولن تتوقف جهودنا يوما عن محاربة الفكر الضال ومواجهة الإرهابيين والقضاء على بؤرهم”. هكذا تعمل الأمم المتحضرة على وقف سيل الإرهاب الجارف.
أقول لجمعة الأربش، ولجميع الأباء والأمهات الذين فقدوا أبناءهم وأقاربهم في هذه العمليات الإرهابية الاجرامية، إن الإرهابيين يستهدفون أمننا واستقرارنا ووحدتنا لإشعال نار الطائفية المقيتة. إذا كان هدف الارهابيين تفرقة صفوفنا فنحن متحدون على قلب واحد وراء الدولة، وكلنا نسعى لإخماد الفتن وقطع يد الإرهاب. لن يزيدنا هذا الإرهاب إلا تماسكا وترابطا للتصدي للفكر الضال. هكذا نوقف شحن النفوس ونشر الفوضى والعنف والكراهية.
الكتابة هامة ونشر التوعية مفيد، ولكن أمامنا مهام جساما. أعيد وأكرر أننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة وتنقيح وتطوير وغربلة وتنظيف المناهج الدراسية. هذا هو التلاحم الحقيقي والوقوف صفا واحدا أمام كل من يحاول إثارة الفتنة أو التربص بالوطن.
لعلنا نتذكر أن خلية داعش الإرهابية التي أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيكها أواخر رجب الماضي، مكونة من 26 عنصرا، ثلاثة أرباع أفرادها لا تتجاوز أعمارهم 20 عاما، فيما يبلغ عمر أصغرهم 15 عاما. نحن بحاجة إلى لجم أفواه الفضائيات المحرضة التي تطبخ الكراهية والبغضاء في الخفاء والعلن لجذب أبناء الوطن دون أي إحساس بحرمة الدماء وعصمتها. 
علينا ملاحقة دورات غسيل المخ في المخيمات الصيفية التي تلوث أفكار صغار السن، وتعمل على إعدادهم ليصبحوا قنابل متحركة موقوتة. هكذا نطمئن قلوب الأمهات المكلومات أن دماء الشهداء لم تذهب سدى.
قلت في لقاء تلفزيوني هذا الأسبوع إننا كما نحصن أبناءنا ضد شلل الأطفال، علينا أيضاً أن نحصنهم ضد شلل الأفكار. نريد أن نحصنهم ضد إذكاء نار الطائفية البغيضة التي تستهدف أمننا واستقرارنا ووحدتنا.
أحد شباب لجنة الاستقبال الذين قابلتهم في الدمام، اسمه محمد الحلال. سألت محمد ونحن في طريق العودة عن موقفه وموقف شباب القطيف بعد جريمتي القديح والعنود. قال بصوت واثق وهادئ “نحن مع الدولة ونضع يدنا في يدها لمحاربة الجريمة والإرهاب”.
ما سمعته من السيد علي الناصر وجمعة الأربش ومحمد الحلال درس عن الوحدة الوطنية لن أنساه مدى الحياة.

http://www.alarab.co.uk/?id=53807

No comments: