May 6, 2015

حسمها سلمان...فما بال القبة مسترخية

حَسَمها سلمان...فما بال القبة مسترخية
عبدالله العلمي
صحيفة العرب (اللندنية)
6 مايو 2015

لماذا تنمو وتترعرع العنصرية التي تعايشنا كل يوم دون حسيب أو رقيب؟ رغم المبايعة التي أعلنتها شخصيات دينية واجتماعية واقتصادية في محافظة القطيف للأمير محمد بن نايف وليا للعهد، وللأمير محمد بن سلمان وليا لولي العهد، يوجد بين ظهرانينا داعية (مليوني) يتوقع، أو ربما يحلم، بزوال الشيعة. هذه التصنيفات الطائفية يجب أن تتوقف لأنها تهدد السلم الأهلي، وتشجع على إباحة انتشار النعرات بكل أوجهها، وترخي العنان للهيب الطائفية الفكرية والعرقية والمذهبية.
في واقعة أخرى، اتخذ وزير الدفاع قرارا بالتحقيق مع عسكري أطلق تغريدة توعد فيها مواطنين في القطيف بالقتل لأنهم لا يماثلونه مذهبيا. لم يكن من المناسب أن تمر تلك التغريدة كالليل (يرخي) سدوله باطمئنان وسكينة، فجاء عقابه دون مداهنة أو مواربة.
يقول الناقد محمد العباس بحكمته التي عهدناها “بمقدور الجسم البشري تحمُّل نسبة من السموم، فإذا زادت عن حد احتماله يموت. كذلك الجسم الاجتماعي إذا زاد منسوب السموم الطائفية فيه يفقد مناعته ويتفسّخ”.
الجميع أخطأ بحق الجميع؛ إيران نجحت، للأسف، في فرض خطابها المذهبي على المنطقة، والجماعات السنية المتطرفة أدلت هي الأخرى بدلوها، فتناسلت طفيليات الميليشيات الطائفية المسلحة كبديلٍ لهيبة عدة دول عربية (تراخت) في أداء مسؤوليتها أمام شعوبها.
أما المرأة، فهي الأخرى نالت “نصيبها” من العنصرية. الصحف المحلية تناقلت خبر نقل معلمة مخضرمة من مكة التي عملت فيها منذ أكثر من 12 عاما، إلى مكتب التعليم بالجموم وهو نقل يبدو أنه اتخذ لأسباب طائفية. ما زلنا بانتظار نتائج لجنة التحقيق التي شكلها مدير تعليم مكة المكرمة، التي آمل أن تُرَسِخْ مفهوم المواطَنة الحقيقية وألا تجنح اللجنة للوهن أو (التراخي) والكسل.
المثال الثاني عن العنصرية ضد المرأة هو مطالبة داعية بطمس صورة النساء في بطاقة الأحوال، لأن “بطاقة المرأة من البلاء”. جاءت المساندة بسرعة البرق من أحد أئمة المساجد بأنه لا يجوز للمرأة مشاهدة مباريات كرة القدم، معتبرا هذا الأمر من المفاسد. التبرير العبقري لفضيلة الإمام هو أن همّ المرأة في كرة القدم هو مشاهدة أفخاذ اللاعبين. بمعنى آخر، (أرخو) الستائر على صورة المرأة في بطاقة الأحوال وشيّدوا الحواجز بينها وبين أفخاذ اللاعبين حتى لا تقع في المفاسد.
أيضاُ هنا الصورة ليست كلها قاتمة، فقد تولت الأسبوع الماضي عضو مجلس الشورى، ثريا عبيد، رئاسة لجنة حقوق الإنسان بالمجلس بعد تعيين رئيس اللجنة ناصر الشهراني نائبا لرئيس هيئة حقوق الإنسان. لم يكن تعيينا مباشرا بل إحلالا، ولكن على أي حال أصبحت ثريا عبيد أول امرأة ترأس إحدى اللجان المتخصصة بالمجلس، ولعل رياح التغيير قادمة لصالح تمكين المرأة.
ظاهرة الطعن والتشكيك في النسب بتداعياتها القبلية والمناطقية ما زالت للأسف منتشرة في وسائل “التناحر” الاجتماعي ولا يجب أن تمر بفسحة أو (تراخِ)، وخاصة الحادثتين اللتين وقعتا خلال العشرة أيام الماضية. فقد وصف أحد وجهاء القوم مواطنا بـ”الطرش” في وسيلة إعلام مرئية. هذه ظاهرة أخرى تهدد الوحدة الوطنية، ونتيجتها كانت منع المعتدي من الظهور الرياضي والهياط الإعلامي.
الواقعة الثانية هي قذف إمام مسجد لأحد خصومه والسخرية منه والتشكيك في نسبه مع التنابذ بالألقاب، خلال لائحة جوابية قدمها إمام المسجد في قضية بالمحكمة في جدة. النتيجة هنا أيضا جاءت في صالح المُعتَدَى عليه، وقضت المحكمة بسجن وجلد المتهم إمام المسجد وأخذ التعهد عليه بعدم تكرار ذلك التصرف. اتخاذ القرار السريع والمناسب في كلا الواقعتين أثبت أنه لن يكون بعد اليوم (ارتخاء) في تطبيق القانون.
هذه مناسبة لأتقدم بالشكر والتقدير إلى جهتين رسميتين تعملان على نشر الوعي عن مخاطر النعرات العرقية، وضرورة نبذ الفرقة والعنصرية. أولا لفضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ صالح بن حميد، لدعوته المسلمين في خطبة الجمعة الأسبوع الماضي إلى نبذ التطرف والطائفية والعنصرية. ثانيا لأعضاء مجلس الشورى محمد نصرالله ويحيى الصمعان وثريا عبيد وناصرالداود وعبدالله الفيفي وزهير الحارثي، الذين لم تَفْتَرُ أو “ترتخِ” همّتهم بل تقدموا بمشروع “نظام المحافظة على الوحدة الوطنية”. هذا النظام يجرّم التحريض على الكراهية أو التمييز أو التعصب ضد الأشخاص بسبب انتمائهم العرقي أو القبلي أو المناطقي أو المذهبي أو الفكري. هذا النظام لا يجب أن (يُرْخَى) له قيدٌ ولا حبلُ.
الملك سلمان بن عبدالعزيز لم (يرخِ) زمام فرسه، بل نادى في خطابه بعد توليه دفة القيادة للعمل على التصدي إلى أسباب الاختلاف ودواعي الفرقة، وتعزيز التفاهم والتعايش والإخاء بين المواطنين، والقضاء على كل ما من شأنه تصنيف المجتمع، بما يضر بالوحدة الوطنية.
سلمان حسم الأمر، فما بال مجلس الشورى قد (أرخى) قبضته؟ ولماذا القبة (مسترخية) وتعاملها واهن وضعيف وهش وبطيء في إقرار مشروع “نظام المحافظة على الوحدة الوطنية”؟

http://www.alarab.co.uk/?id=51617

No comments: