April 15, 2015

جدارية على البحر الأحمر


جدارية على البحر الأحمر
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
15 ابريل 2015

الإثنين الأول من أغسطس 2005 نُصِبَ الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، ملكًا للمملكة العربية السعودية. نشأ في كَنَفِ والده الملك عبدالعزيز وتحلى بخصاله. وكما قالها عبدالعزيز “أنا أخو نورة”، دافع الملك عبدالله بدوره عن حقوق المرأة، فأمر بأن تصبح عضواً كامل الأهلية في مجلس الشورى، وأن تدخل التاريخ السعودي الحديث منتخبة ومرشحة للتنافس على مقاعد المجالس البلدية. كلا المجلسين (الشورى والبلدية) كانا حكراً على الرجال منذ نشأتهما ولم يسمح للمرأة أن تشارك في أي منهما، بل كانت مشاركة المرأة في الشأن العام والدراسة والعمل تُجابَه بالتحديات والصعوبات من الفئات المتشددة في المجتمع.
استفاد عبدالله بن عبدالعزيز من مدرسة والده وتجاربه في مجالات الحكم والسياسة والقيادة، فحكم بالعدل، وأدار دفة السياسة الخارجية بحنكة ربان، وأدار شؤون البلاد بتوازن وإنصاف بين مختلف القبائل والطوائف، وقاد البلاد إلى عهد جديد من التنمية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
قام الملك عبدالله بالعديد من الزيارات لكثير من الدول في العالم لتوطيد علاقة السعودية مع جميع الدول الصديقة. لم يكتفِ بمد يده لكل من سعى مثله للسلام في المنطقة، بل قام بزيارات لعدة دول أجنبية ومن ضمنها زيارته التاريخية للفاتيكان في روما في نوفمبر 2007 التقى خلالها مع البابا بيندكت السادس عشر لدعم الحوار الإسلامي المسيحي، مما فتح الأبواب لمرحلة جديدة من التقارب مع جميع الأديان.
الترحيب بالملك عبدالله على بعد خطوات من كاتدرائية القديس بطرس، أكبر كنيسة مسيحية في العالم، كانت الخطوة الأولى التي أسست للتقريب بين أتباع الأديان. وكان ذلك الاجتماع الأول من نوعه بين البابا والملك السعودي الحاكم. اتخذ عبدالله بن عبدالعزيز هذه المبادرة لمكافحة الشكوك التي بثتها بعض دكاكين الصحافة العالمية، وسوء الفهم الذي كان سيؤدي إلى صدام الحضارات.
عندما صافح الملك عبدالله بابا الفاتيكان، وعندما التقى، رحمه اللـه، مع ممثلي أتباع الأديان المختلفة، كان يعبّر عن إيمانه بأن الحوار هو السبيل الأمثل لحل القضايا الدولية المختلَف حولها بالطرق السلمية. كان رحمه الله يشجع على التعايش مع المجتمعات والحضارات بمختلف أديانها وطوائفها.
زيارة الملك عبداللـه للفاتيكان، ثم تأسيس المركز العالمي للحوار بين أتباع الأديان، يؤكدان حرص المملكة على أهمية الحوار لتعزيز التسامح الذي تحث عليه جميع الأديان ونبذ العنف وتحقيق الأمن والسلام لشعوب العالم بمختلف معتقداتهم.
أكد الملك عبدالله على مبدأ التقارب بين الحضارات في عدة زيارات رسمية أخرى، فرأس وفد السعودية في العديد من المؤتمرات الخليجية والعربية، وفي العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية. انتهج، رحمه الله، سياسة التقارب مع الجميع، شرقاً وغرباً، مع المحافظة على العقيدة الإسلامية السمحاء.
جدارية الملك عبدالله على البحر الأحمر تحكي قصة ملك حكيم ويتمتع في نفس الوقت بالحزم في قراراته المصيرية. في أبريل 2008، نادى الملك عبدالله بالسلم والأمن، وحَثَ دول العالم على وضع حد لبرنامج الأسلحة النووية. للأسف تتسابق الدول اليوم على تصنيع الأسلحة المدمرة والفتاكة، عوضا عن لجم آفة الحروب التي تهدد المنطقة بأكملها.
كان موقف الملك عبدالله حازما حيال من يسعى لزعزعة الأمن في البلدان العربية وخاصة مصر الكنانة. دعا إلى الوقوف في وجه كل من يحاول المساس بأرض مصر أو أمنها في رسالة قوية لدعم القيادة المصرية والشعب المصري العظيم.
كان رحمه الله يعلم أن الإخوان المسلمين في الداخل والخارج بارعون في فن المراوغة. ولم يسمح لإخوان الداخل بالنيل من وحدة الوطن، كما نادى شعوب العالم للوقوف مع مصر تجاه كل من يحاول العبث بأمنها.

توفى الملك عبدالله بن عبدالعزيز في 23 يناير 2015، ولكنه ترك إرثاً عظيماً من القيم والمبادئ. جدارية الملك عبدالله على البحر الأحمر تروي تاريخ ملك إصلاحي وقائد كسب حُب وولاء شعبه حتى قبل أن يصبح ملكاً. بايعناه على الولاء فقابلنا بالصدق والوفاء.

http://www.alarab.co.uk/?id=49985

No comments: