March 25, 2015

أمهات لايحتفلن بالعيد

أمهات لايحتفلن بالعيد
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
25 مارس 2015

كيف تحتفل أم بعيدها وابنها المبتعث لدراسة الهندسة الكهربائية، متزوج ولديه طفل عمره 10 شهور، قد انضم للجماعات المتطرفة في سوريا؟ كيف تحول أبناء الوطن إلى “روبوتات” انتحارية تديرها مجموعات إرهابية متطرفة تعيش على أحلام الحروب الدينية العنصرية، فتحطم الآثار وتجذ الرؤوس وتسبي النساء؟ ما تقوم به داعش ليس له، من قريب أو بعيد، جذور في ديننا الحنيف، بل جريمة منظمة قائمة على فكر إرهابي متطرف.
في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي أصر الأمير تركي الفيصل على تسمية تنظيم “داعش”، بـ”فاحش” من باب عدم علاقة التنظيم بالإسلام. لا يوجد تنظيم له علاقة بالإسلام أو بأي دين آخر يجند الأطفال لحفلات الإعدام، ويزيل آثار الحضارات الإنسانية، ويأسر ويبيع ويشتري ويغتصب الأمهات.
تابعت الأسبوع الماضي التمرين التعبوي (وطن 85)، الذي جمع قطاعات الأمن الداخلية في حرس الحدود ومكافحة الإرهاب والقوات الخاصة والدفاع المدني والشرطة وغيرها. لن تجرؤ داعش أو غير داعش على لمس تراب الوطن، لأنهم إذا فعلوا فسيتم تلقينهم درسا هم ومن يتعاطف معهم ويدافع عنهم ويصفق لهم بحماس شديد من الداخل.
في (وطن 85)، ظهر “روبوت آلي” مزود بكاميرات حرارية وأشعة تحت الحمراء، قادر على مسح المواقع وكشف المتفجرات. إذا كان العدو يجند أبناءنا “روبوتات” في أيديه الملطخة بالدماء، فسنرد له الصاع ألف صاع بنفس الدواء. هذه التمارين التعبوية هامة وضرورية جدا، ولكننا أيضا بحاجة لحملات تعبوية لدرء فساد الغلاة في الداخل الذين يؤيدون الجماعات الإرهابية المسلحة باسم الدين، والذين يحثّون على النفير الكاذب، ويختطفون أبناء الوطن من أحضان الأمهات. هؤلاء الغلاة نواة تدجين دواعش آخرين، وقنابل موقوتة قابلة في أي وقت للانفجار.
الإحصائيات مرعبة. آخر بيان لوزارة الداخلية السعودية كشف أن عدد السعوديين الذين ذهبوا للدول التي تعاني من صراعات خلال الأعوام الأربعة الماضية بلغ 2284 سعوديا (فقط المعروفين طبعا)، عاد منهم 645 شخصا. بمعنى آخر مازال أكثر من 1630 مواطنا سعوديا إما أنهم ينوون الانتحار على رصيف عصابات داعش، أو أنهم هلكوا وتم دفنهم تحت روث البعير في الصحراء. المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء منصور التركي صرح أن وزارة الداخلية تتابع ما يتم تداوله عن مقتل سعوديين في الدول التي تشهد صراعات، إلا أن الجهات المختصة لا تملك أدلة كافية للتحقق من صدقية مقتل سعوديين في هذه المناطق.
المؤسف أن الذين انتزعوا أبناء الوطن من أمهاتهم وقذفوا بهم في هاوية الصراع لحمل السلاح وبث الرعب في نفوس الآمنين، يجدون لهم داعمين بيننا ممن يسمون أنفسهم زورا وبهتانا بالمحتسبين وهم أكثر الناس جهلا بالاحتساب.
في تلك الأثناء، يتغيب شباب الوطن عن منازلهم وأمهاتهم ولا يتبقى من ألم الفراق إلا اتصال هاتفي من خارج السعودية يؤكد للأم المكلومة أن ابنها قد توفي في معركة ضد “الكفار”! هكذا تمعن التنظيمات الإرهابية في قتل الأم مرتين، فتعمد بعد تنفيذ أحد المتورطين معها عملية انتحارية، إلى الاتصال بأسرة الانتحاري لإبلاغهم بـ”استشهاد” ابنهم البار.
الأسبوع الماضي، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في السعودية حكمها بالسجن سنة وستة أشهر مع المنع من السفر بحق متهم أدين بالسفر إلى سوريا والتحاقه بتنظيم داعش الإرهابي، وتدربه لديهم على الأسلحة ومشاركتهم في عدد من العمليات العسكرية. لولا لطف الله بعباده، كاد هذا المواطن أن يلقى حتفه في عملية انتحارية إرهابية تم التخطيط لها وإعدادها وإنتاجها وإخراجها من قبل تجار الحرب الكبار.
يقول الكاتب عبدالله فراج الشريف “لعل هذه الجماعة المسماة داعش أشد جماعات الخوارج على مر الزمان بشاعة”. نعم هم كذلك، فالجهاد لا يصح اعتباطا لمجرد أن من نادى به أصحاب وجوه نكرة مكفهرة بلا بطاقة تعريف أو ضمير أو هوية، فالجهاد قبل كل شيء يتطلب اشتراط الراية والإمام.
ونحن نحتفل هذه الأيام بعيد الأم، كلما قرأت عن شاب سعودي جففه النكران والتحق بعصابات داعش الإرهابية، تتدحرج في صدري صخرة ثقيلة حزنا على شقاء الأمهات. لذلك أقدم التعازي لكل أم فقدت ابنها، وتحول بيتها بفضل داعش إلى صالون عزاء. هؤلاء الأمهات لا يحتفلن بالعيد.

http://www.alarab.co.uk/?id=48318

No comments: