March 18, 2015

"تعايش" اطلعي برة!




"تعايش" اطلعي برة!
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
18 مارس 2015

لا أعلم إذا كان عنوانه “تعايش” أو “تداعش” ذلك الذي أضفى بغيومه على مشاركة المرأة في معرض الكتاب بالرياض هذا العام، مثله مثل “عدم التعايش” مع الرأي في أي محفل آخر.
في معرض الكتاب 2014 بالرياض، اعتذرت خولة الكريع عن المشاركة في ندوة ثقافية بسبب إجبارها على الجلوس في مكان معزول لتلقي ورقتها كأنها في محجر صحي وليس من على المنصة كبقية المشاركين. باختصار، اطلعي بَرّة.
خولة الكريع، كبيرة علماء أبحاث السرطان بمستشفى الملك فيصل التخصصي، وعضو مجلس الشورى، والفائزة بجائزة هارفارد للتميّز العلمي، وكرمها الملك عبدالله وكرمها العالم في أكثر من محفل، ومع ذلك يتم إقصاؤها من المنصة. لا ألوم الكريع لانسحابها، فهذا الإجراء التعسفي بحقها هو غياب عن العالم يتنافى مع مكانة المرأة ودورها في المجتمع.
تكرر المشهد الدرامي في “تعايش” 2015 في ثلاث حالات شاذة.
الحالة الأولى عندما بدأ المحتسبون بملاحقة التشكيلية السعودية نجلاء السليم، كما قالت، إلى أن وصلت مقر الندوة التي كان من المفترض أن تشارك فيها. طلب منها المحتسبون ترك المكان (هكذا لله في الله) وأن تتجه إلى الدور الثاني المخصص للنساء. حاولت التوضيح لهم أنها مشاركة في الندوة لكنهم، رفضوا وجودها على المنصة، بمعنى آخر: اطلعي بَرَّة.
نجلاء السليم، الفنانة التشكيلية المبدعة عاشت بين لوحات الفن وعبق الألوان، وبيعت أعمالها في العديد من صالات العرض العالمية المشهورة، ولكنها في وطنها غريبة تبحث عن مقعد وعن هوية.
الحالة الثانية هي تَعَرُضْ الروائية أميمة الخميس لعملية فصل عنصري مشابهة عند مشاركتها (أو محاولة مشاركتها) في فعالية ثقافية في معرض الكتاب 2015. اعتذرت أميمة عن المشاركة بسبب إقصائها عن المنصة الرئيسة. هي أيضا قيل لها: اطلعي برّة. أتفق مع الكاتبة الخميس أن الغياب مع سلبيته، أفضل من تكريس وضع شاذ وغير طبيعي.
أميمة الخميس تربّعت على عرش قلوب محبيها من خلال رواياتها “البحريات” التي عَبَرَت بها متاهات الغربة الأنثوية، و”الوارفة” التي أجادت بين أحرفها التنقل بين الذاكرة والمخيلة، ورُشِحَت ضمن روايات النخبة في قائمة البوكر الدولية للرواية العربية.
أقترح على المحتسبين الذين أقصوا أميمة الخميس أن يَطَّلِعُوا على تاريخ السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد، المرأة الجليلة التي أقامت في مصر مجلسا علميا كان يحضره أشهر علماء عصرها.
الحالة الشاذة الثالثة هي منع عدد من النساء حضور أمسية شعرية نُظِمت في أحد فنادق الرياض ضمن فعاليات معرض الكتاب 2015. بكل بساطة، رفضت اللجنة المُنَظِمَة حضور المرأة؛ أي اقضبي الباب واطلعي بَرّة.
لماذا يحرص من يدّعون الاحتساب على توسيع مساحة الصدام بينهم وبين المجتمع؟ ألا يعني “التعايش” أن يتعايش الجميع تحت مظلة الوطن دون تفرقة أو كراهية؟ الأصوات المتشابكة والاختلاف في الرأي ظاهرة صحية، ولكن الشاذ أن يدخل المتطرفون الحلبة وسلاحهم الوحيد التهميش، فيصبح الإقصاء قاعدة والإبعاد قانونا.
تواجه المرأة تحدي عتمة فكرية لإقصائها عن المشهد الثقافي السعودي. المفارقة أن المرأة حاضرة في السلطات الرسمية، لكن الجهات المعنية في معرض الكتاب عاجزة عن (أو ربما تخشى) توفير المقعد المناسب لها. إلى متى تظل الأنشطة الثقافية مخترقة رغم قيامها تحت مظلة رسمية؟
يقول الباحث توفيق السيف “لا أظننا سننتهي من الجدل حول موقع المرأة في النظام الاجتماعي، طالما بقي فريق من المجتمع يصر على أنه ليس مجرد شريك في هذا النظام، بل هو صانع السوق وقسيم الحصص والقيم والأدوار”.
لا يبدو أننا سننتهي من هذا الجدل، بل يسعى البعض إلى تشييد جدارِ الخُذلان والكآبة في كلّ محفل، ولا يقبلون التعايش مع نصف المجتمع؛ المرأة التي أنجبت وربت المجتمع كله.

http://www.alarab.co.uk/?id=47748

No comments: