March 11, 2015

فرقعات في معرض الكتاب



فرقعات في معرض الكتاب
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
11 مارس 2015

لا تقل فرقعات المحتسبين الأخيرة في معرض الكتاب بالرياض خطورة عن سابقاتها في الأعوام الماضية. يعرف علماء النفس “الشخصية الوسواسية” بأنها ربما تطرفت بسبب الإفراط في دقائق الأمور أكثر من النظر إلى الكليات. الشخصيات العدوانية التي تهاجم كل من يختلف مع رأيها ربما تطرفت إذا كان هناك عائد شخصي لها من مال أو شهرة أو سلطة مزيفة.
الموقف الرسمي للدولة والسواد الأعظم من المجتمع السعودي، والسلطة الدينية الرسمية كلها أدانت أعمال الإرهاب التي قامت، وتقوم بها، داعش من قتل واغتصاب وحرق وتدمير وأخيرا تحطيم الآثار التاريخية.
المفتي العام الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قال إن من سبر أحوال تنظيم داعش وتدبر أعداد عناصره، علم أنهم فئة مجرمة جاءت للإفساد والفساد، بل انتقد المفتي بشدة ممارسات تنظيم داعش الإرهابية واستسهاله القتل وجز الرؤوس وسفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض.
وفي الوقت الذي كان فيه المفتي العام يؤكد أن من أصروا على باطلهم ودعوتهم الشباب إلى هذا المستنقع يجب أن تتخذ ضدهم إجراءات لأن هذا بلاء وفساد، كانت مجموعة من المحتسبين في معرض الكتاب تهاجم من ينتقد جرائم داعش الإرهابية.
في نفس المسار، أعلنت وزارة الداخلية عن إعداد أول استراتيجية وطنية للأمن الفكري لمواجهة الأفكار التي تنطلق منها الجماعات الإرهابية في استهدافها البلاد. تقوم على هذه الاستراتيجية ثلة من الباحثين والمختصين بمكافحة الإرهاب، ولعلهم يجدون حلا للجم المتعاطفين السعوديين مع داعش من تهديد الأمن الفكري في الداخل.
أيضا في نفس المسار، أكد مدير حملة السكينة التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية الشيخ عبدالمنعم المشوح، الذي شرفت بالتواصل معه سابقا، أن 200 سعودي يمثلون الطليعة الأولى لجنود داعش وتنظيم القاعدة في السعودية يغرقون تويتر عنفا وتحريضا ضد المملكة، وأن “المهددات تحيط بنا وتتسرب عبر منافذ التواصل الإلكتروني والإعلام إلى عقول أولادنا وبناتنا”.
لعلنا نضيف إلى المهددات، أيضا، هذا الغلو الفكري الذي توشح به مجموعة المحتسبين في معرض الكتاب بسبب إثارة موضوع تحطيم الآثار على يد “داعش” في العراق. لم يكتف المحتسبون بتأييد تدمير الآثار، ولكن أيضا اعترضوا على فكرة رفض المحاضر لهذا الفعل الشنيع في ندوة حملت اسم “الشباب والفنون.. دعوة للتعايش”.
أي “تعايش” هذا وبين ظهرانينا محتسبون يرفضون التعايش مع آراء الآخر؟ نحن نتحدث عن محاولة فهم الآخر مع حفاظنا على ثوابت الدين الإسلامي الحنيف. لم يرفض المحتسبون رأي طالب في الثانوية العامة (مع أهميته)، ولكنهم اعترضوا على رأي عميد كلية العلوم الإنسانية بجامعة اليمامة معجب الزهراني، الذي أبدى أثناء تقديم ورقته أسفه لما تعرضت له آثار الدول العربية من تدمير على يد بعض المتطرفين، في إشارة منه إلى ما قام به أعضاء تنظيم داعش الإرهابي في العراق. حاول الزهراني التوضيح أن هناك فارقا كبيرا بين الآثار والأصنام. رفض المحتسبون هذا المنطق ربما عملا بمبدأ “كله عند العرب صابون”. ساد القاعة هرج ومرج وتحول النقاش إلى سجال، فأغلق رئيس الندوة باب النقاش.
عندما ندعو إلى ضرورة الحوار الهادئ والتعايش مع الآخر وقبوله وعدم رفضه، فنحن ندعو إلى ترسيخ مفاهيم الثقافة والفنون الإنسانية، وليس بالضرورة إلى عبادة الأصنام كما يزعم هؤلاء المحتسبون.
اللجنة المنظمة لمعرض الكتاب وجهت ضربتين استباقيتين للمحتسبين، الأولى منع المحتسبين وغيرهم من القيام بتوزيع الكتب والمطويات والأشرطة على الزوار دون موافقة خطية من إدارة المعرض. هذه خطوة ذكية من اللجنة المنظمة لتفادي التجربة السيئة في العام الماضي. أما الثانية فهي تأكيد مدير معرض الكتاب صالح الغامدي وجود جهات أمنية احترازية، تحسبا لأي محتسبين قد يجتمعون خارج المعرض.
نريد دعم جمعيات الفنون، وتشجيع التبادل الثقافي والإعلامي والمسرحي والموسيقي مع الدول الأخرى، وإطلاعهم على ثقافاتنا وفنوننا الشعبية الغنية بالتراث والحضارة. التعايش مع الآخر من خلال الفنون يعزز التفاهم والتقارب بين الشعوب. توجد في المعرض جهة رسمية مهمتها الوعظ والإرشادر، فاتركوا عنكم فرقعاتكم والتدخل في مسؤوليات غيركم والميل المبالغ فيه إلى الاعتداء الفكري على الآخر.

No comments: