February 25, 2015

التحرش...معضلة الشورى الكبرى

التحرش...معضلة الشورى الكبرى
عبدالله العلمي
العرب "اللندنية"
25 فبراير 2015

مرت جهود مجلس الشورى لسن قانون لمنع الإيذاء والتحرش في السعودية عبر ثلاث مراحل هامة ولكنها للأسف لم تحقق الهدف المرجو منها.
المرحلة الأولى بدأت في نوفمبر 2008، عندما قرر مجلس الشورى دراسة مشروع قانون لتقنين عقوبة جريمة التحرُّش الجنسي ووضع العقوبات المناسبة لها. قبل ذلك، تم ترك الأمر للاجتهادات الشخصية، ما أدى إلى تباين في العقوبات على الجرائم الأخلاقية رغم التشابه في تلك الجرائم المشينة.
منذ عام 2008 أنتجت الهند السيارة (نانو)، وأطلقت كوريا الشمالية صاروخا يحمل قمرا صناعيا، ودشّنت “مايكروسوفت” نسخة نظام التشغيل (ويندوز 7)، وتم اختراع جهاز تنفس محمول يحل محل وحدة التنفس الاصطناعي، وتمت زراعة قصبة هوائية بفرنسا، وأجرى الباحثون دراسات لتحضير أدوية للشفاء من مرض شرايين القلب، وتمكن الأطباء لأول مرة من تحضير لقاح لمرض الملاريا ولقاح آخر ضد سرطان البروستاتا، واكتشف الباحثون دواءين لالتهاب الكبد (سي) وتمكّن الباحثون من تقديم دلائل حول وجود “جسيمات هيغز”، وهذا من أهم الإنجازات العلمية التي توصّلت إليها البشرية خلال المئة عام المنصرمة، ومازال الشورى عاجزا عن إقرار نظام يعاقب المتحرشين.
في 2012 صدر قرار “تاريخي” لمجلس الشورى لإدراج مناقشة مكافحة التحرُّش الجنسي ضمن مشروع للحماية من الإيذاء. من أسباب تأخر البدء بمناقشة نظام يمنع التحرُّش هو معارضة البعض تقنين الأحكام القضائية، أو عدم الرغبة في الاعتراف بوجود “اختلاط” بين الجنسين.
المرحلة الثانية بدأت في أغسطس 2013 عندما صدر قانون “الحماية من الإيذاء”. النظام مكون من 17 مادة يواجه المدانون بالإيذاء النفسي أو الجسدي بعقوبة ناعمة بالحبس أقصاها عام واحد ودفع غرامة هزيلة لا تتعدّى 50 ألف ريال. التحرُّش الجنسي جريمة لأنه محرّم شرعا وأخلاقيا، ولكن النظام الصادر في عام 2013 لا يفي بالغرض ولا يمنع التحرُّش بالصرامة المطلوبة.
في نفس الفترة، ورغم أن النظام ينطلق من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية القائمة على صيانة العرض وكف الأذى ومعاقبة المعتدي، قفز داعية معروف وأصدر فتوى يدّعي فيها أن نظام منع التحرش يفتح الباب أمام الدعارة. ربما كان هذا الاختراع الخطير، وغيره من داخل وخارج الشورى، من الأسباب التي دفعت لسحب قانون مكافحة التحرش بعد خمسة أشهر من عرضه ومناقشته، وذلك بناء على رفض بعض الأشخاص له، تحت ذريعة أن “المشروع سيعزز ويهيّئ مفهوم الاختلاط بين الجنسين في المجتمع”.
متى يتفق المجتمع أن الانغلاق وعدم تعوّد الأفراد، ذكورا وإناثا، على التواجد في مكان واحد سواء في العمل أو المحال التجارية أو المؤسسات الحكومية، أصبح من الماضي؟ أعتقد أن إصدار قانون صارم لمنع التحرُّش أصبح ضروريا، خصوصا مع الانفتاح الذي يشهده المجتمع السعودي وانطلاقة المرأة السعودية في مجالات العمل العام.
أما المرحلة الثالثة فقد بدأت الأسبوع الماضي عندما اقترح لوبي ثلاثي من أعضاء المجلس استبدال المسمّى بـ”نظام حماية العرض”، ليكون النظام “شاملا لمكافحة التحرش والابتزاز والمتاجرة بالبشر من ناحية الوقاية السابقة بآلياتها والعقوبة اللاحقة بضوابطها”، والتي تصل في حدها الأعلى إلى السجن عاما وغرامة 100 ألف ريال، يعني” كأنك يا زيد ما غزيت”.
الخبر الإيجابي أن وزارة العدل قامت بإخضاع أكثر من 40 قاضيا من قضاة محاكم الأحوال الشخصية والمحاكم الجزائية لبرنامج تدريبي حول (العنف الأسري، مفهومه وصوره والإجراءات القضائية تجاهه). المستشار العدلي للبرامج الاجتماعية ناصر العود أوضح أن البرنامج التدريبي تم إعداده بسبب رصد أكثر من 13 قضية عنف ضد الأطفال في المحاكم إلى جانب 12 قضية عنف ضد المرأة و152 قضية عنف أسري سجلت خلال عام 1435هـ. قرأت أيضا أن البرنامج جاء بتوجيه من المقام السامي للمجلس الأعلى للقضاء لدراسة موضوع العنف الأسري باعتباره “أحد أهم مشكلات الأسرة وما يترتب عليه من سلبيات تؤثر على الأسرة ولارتباطها بقضايا الولاية والحضانة”.
أتفق مع طرح الأخصائية النفسية موضي الزهراني، في أن الكثير صُدِم من موقف مجلس الشورى الذي تحفّظ على قانون الأحوال الشخصية، وسحب على قانون مكافحة التحرش بالنساء، رغم أنهما من المطالبات الحقوقية الإنسانية المكمّلة لنظام الحماية من الإيذاء للمرأة والطفل.
عندما تغفو الملفات الحقوقية الهامة في أدراج لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى لشهور ثم يتم تحويلها إلى اللجنة الشرعية والقضائية فهذا مضيعة للوقت والحقوق، وتظل المرأة في معاناة لا حدود لها قد تستمر لسنوات لكي تحصل على حقوقها المشروعة.

http://alarab.co.uk/?id=46070

No comments: