February 18, 2015

وكذلك جعلناكم أمة وسطاً

وكذلك جعلناكم أمة وسطاً
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
18 فبراير 2015

أكثر من نصف السعوديين الموقوفين أعمارهم لا تتجاوز 35 عاما. هذه الإحصائية تحتاج لدراسة اجتماعية، خاصة وأن بعض هؤلاء الشباب متهمون بالإرهاب والتحريض وإيواء مطلوبين أمنيين.
وكيل وزارة التعليم عبدالقادر الفنتوخ أكد الأسبوع الماضي ما كنا نردده لفترة طويلة: أن شبكات التواصل الاجتماعي تؤثر سلبا على فكر الشباب وتجعلهم ينتهجون الأفكار التكفيرية والشاذة. إذن ما نفتقده في مدارسنا ومساجدنا هو تكاتف جهود المؤسسات التعليمية والأهلية والحكومية لتحصين الشباب من الأفكار الهدَّامة والغلو في الدين. كيف؟ عبر الدعوة للوسطية.
جذور الإرهاب والتطرف نعرفها وهي واضحة للعيان، نريد تفكيك الخطاب الأيديولوجي وكشف الجهات المستفيدة من هذا التحريض وتعريتها أمام العالم. نريد الخطاب العقلاني الوسطي المحب للحياة، وليس المتشنج المتشدد المنطوي تحت شعارات الكراهية والموت.
تُوَجِه المحاكم، بين فترة وأخرى، تهما لشباب في عمر الورود لانضمامهم لجماعات الجريمة المنظمة التابعة للقاعدة وذراعها الأيمن داعش للتدرب على استخدام السلاح والمشاركة في القتال الدائر في مناطق النزاع. لسبب ما، أدمن هؤلاء الصبية سماع بيانات وخطب عصماء مرئية وصوتية وأناشيد جهادية متشنجة تَحُثُ على الجهاد الكاذب.
من رموز المتاجرين بهذه البيانات الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على المجتمعات الإرهابي أيمن الظواهري، زعيم تنظيم “القاعدة” في أفغانستان، ومؤيده أبو محمد الجولاني زعيم “جبهة النصرة”، وقائد تنظيم “القاعدة” السابق في السعودية عبدالعزيز المقرن، والآن زعيم تنظيم “داعش” أبو بكر البغدادي. هذا التأجيج والتصنيف والاستعداء في الخطب ومن على المنابر وبعض وسائل الإعلام تسبب في افتعال الكثير من الصراعات المنهكة لطاقاتنا البشرية. ألم يكن من الأفضل اللجوء للوسطية، عوضا عن تأجيج المشاعر والتحريض على السفر للقتل والإرهاب؟
استغل تنظيم “داعش” سذاجة عقول الصبية، غسل عقولهم وعَيّنَهُم قادة عسكريين لمعارك راح ضحاياها المئات. كيف ولماذا أصيب أبناء الوطن بالضجر، فتركوا كتبهم وأعمالهم وأهاليهم والتحقوا بالمتأسْلمين قاطعي الرؤوس وصانعي المتفجرات؟
ما الذي دفع بسعوديين في تنظيم “داعش” الإرهابي للانزلاق في محرقة “عين العرب” التي تعيش وتموت كل يوم تحت القصف؟ يقول أحدهم بابتسامة عريضة في شريط مسجل بخلفية أناشيد تحريضية إنها الرغبة في الموت! هذا ليس كل شيء، بل بلغ استغلال تجار الحرب “تتار داعش” لأبناء الوطن لدرجة أنهم أطلقوا على هذه المناطق “سوق الجنة”.
الاعترافات الصادمة للعائد من تنظيم “داعش” الإرهابي مانع المانع تروي الواقع المأساوي لحال السعوديين المنضمين لهذه الجماعة الإرهابية. إما أن يتم دفن هؤلاء الصبية في الصحراء أو سيعودون للوطن للخضوع للإجراءات المتخصصة. عوض التركيز على الوسطية والتنمية والتطوير، انشغلنا بمتابعة ملفات المقاتلين السعوديين المنضوين للقتال تحت لواء المغول الملثمين والمدججين بالأسلحة والرايات السوداء مثل القاعدة وجبهة النصرة وداعش وغيرها من المجموعات الإرهابية.
مانع المانع ذكر معلومة خطيرة وهي أن السعوديين المنضمّين إلى داعش والمقدر عددهم بالمئات يقطنون حي (الجزراوية) في سوريا نسبة للجزيرة العربية. الأدهى أن هذا التنظيم الذي يرفع شعار الجهاد كذباً وزورا، يستعمل هؤلاء السعوديين كقنابل موقوتة، فهم لا يشتركون في الحروب هناك، بل ينتظرون أدوارهم لتفجير أنفسهم داخل السعودية.
لا يكفي أن تجدد منظمة التعاون الإسلامي موقفها ضد الإرهاب بجميع أشكاله ورفضها محاولات ربط الإرهاب بأي بلد أو جنس أو دين أو ثقافة أو جنسية. الأعمال الإرهابية والعنف في بعض الدول الأعضاء أصبحت تؤرق المجتمعات الإسلامية والعالم على حد سواء، وأذكر منها على سبيل المثال العمليات الإرهابية التي مورست بتوحش وسادية في الاعتداء على حدودنا الشمالية، وفي مدرسة في بيشاور، وحادثة سيناء، وحرق الطيار معاذ الكساسبة ونحر المصريين الأقباط في ليبيا على يد تنظيم داعش الإرهابي.
نشهد اليوم وكل يوم، كيف يُكفِّر المسلمون المسلمين لاختلافهم في الرأي، فيبثون ضدهم الشائعات والدسيسة والتحريض والتشويه والوشاية والتضليل باسم الدين، وينتهي الأمر بأن يستحلّوا دماءهم ويقتل بعضهم بعضا. صور الجرائم الارهابية بما فيها أعمال القتل الوحشية والصلب والتفجير والتدمير والنحر والإحراق وسحل الأشلاء والإعدام الجماعي وبيع النساء سبايا، أصبحت أحداثا عادية مألوفة يتقبلها أفراد المجتمع وهم يلتهمون شرائح “البيتزا” بعفوية هادئة.
ما هو الحل؟ في عام 2014 صدر أمر ملكي يُجَرِم من يقاتل خارج البلاد من السعوديين، أو الانتماء للجماعات سواء كانت دينية أو فكرية متطرفة، أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخليا أو إقليميا أو دوليا، أو تأييدها أو تبني فكرها أو منهجها. الحل هو تفكيك خطاب التطرف لدى المغالين وتطبيق هذا الأمر بحذافيره قبل فوات الأوان.

قال الله تعالى”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً”.

No comments: