January 28, 2015

لنتعلم من الوزيرة النمساوية


لنتعلم من الوزيرة النمساوية
عبدالله العلمي
العرب "اللندنية"
28 يناير 2015


في 2014 اعترف وزير التعليم السعودي بـ“أننا تركنا التعليم للمتشدّدين فاختطفوا أبناءنا”. أمنيتي في 2015 أن نعمل جادين على تطهير المناهج والمدارس من التطرف والمتطرفين بمختلف توجهاتهم الأيديولوجية. هذه التوجهات، هي التي أوقعت بأبنائنا في مستنقع التطرف والإرهاب واللحاق بمكاتب توظيف “المجاهدين”.
بالمناسبة، لا تختلف البيئة المؤثرة على الطلاب في بلادنا كثيرا عن الدول الأخرى. وزيرة التعليم النمساوية، جابرييلا هاينيش هوسيك، خصصت الأسبوع الماضي 150 ألف يورو لمحاربة التطرف في مدارس النمسا بمختلف مراحلها. هذا ليس كل شيء، بل إن مبادرة الوزيرة تشمل، أيضا، خطة توعوية للطلبة والطالبات عبر قيام المنظمات غير الحكومية ذات الخبرة بعقد ورش عمل في المدارس لمحاربة التطرف. لم تتوقف الوزيرة النمساوية عند هذا الحد، بل طالبت بتوقيع عقوبات على الطلاب المتطرفين وأولياء أمورهم وإجراء تعديلات في قانون التعليم.
ماذا عن برامج “المناصحة”، أليس من المفترض أنها تعيد تأهيل المتطرفين؟ الإحصائيات أكدت أن عدد المستفيدين من “المناصحة” 2791 شخصا، عاد منهم إلى الإرهاب 334 أي 12 بالمئة بمن فيهم محمد العوفي الذي عاد مسبقا مع المطلوبين ثم توجه إلى اليمن ليستأنف نشاطاته الإرهابية تحت إمرة ناصر الوحيشي. في رأيي المتواضع أي نسبة ولو قليلة، تدعو إلى إعادة النظر في محتوى وجدوى البرنامج، خاصة مع من أضفوا على أنفسهم هالة التقديس المزيّفة التي لا تمت لأي دين أو مذهب بصلة. إذن كيف نقضي على التطرف؟
مبدئيا، علينا الإقرار بأن الاختلافات بين المذاهب والأديان هي عامل للتفاهم والتقارب وليس للإقصاء والتباعد. بمعنى آخر أن العوامل المشتركة بيننا وبين الآخر ربما تقرّب وجهات النظر، ولا تؤدي بالضرورة إلى التنافر والتناحر على المركز الأول في حيازة “الحقيقة” المُطْلقة كما يريد البعض أن يفرضها على المجتمع ولو بالقوة الجبرية.
عندما زار الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، الفاتيكان في عام 2007 ومن ثم عمل على تأسيس المركز العالمي للحوار بين أتباع الأديان، فإنه كان يحرص على تعزيز التسامح الذي يحث عليه الإسلام الحنيف. أقل مجهود يمكن بذله هو السعي الجاد لإكمال هذه المهمة النبيلة في مساجدنا ومدارسنا بالتيسير في الفتوى ونبذ العنف والحقد والكراهية في وقت تعددت وتداخلت الفتاوى بالدعاء على “الآخر”. نريد تحقيق الأمن والسلام والاستقرار لأنفسنا كما نريده لشعوب العالم كافة بمختلف معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم.
أؤيد ما جاء في كلمة المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله المُعَلِّمِي في 22 يناير 2015 بتنديد المملكة، وبأقوى العبارات، التمييز القائم على المعتقد والممارسة الدينية بكل أصنافه وتجليّاته.
قد يعترض أحدهم على أن الحوار مع الآخر قد يضعف من موقفنا في الدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف. هذا غير صحيح، فكلمة السفير المعلمي كانت واضحة ومحددة؛ وهو دعى بكل وضوح إلى تجريم جميع الأشكال أو الأقوال أو الأفعال التي تحرّض على الكراهية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا، وجميع ما يتصل بذلك من تعصّب وتطرف وعنف.
لنبدأ بأنفسنا. ألا يجب شرح نصوص القرآن الكريم والسنة المشرفة في المدارس في ضوء مقاصدها الكلية وليس اجتزاء للنص واختيار ما يلائم الوضعية الوقتية؟ من عظمة القرآن الكريم أن أول كلمة فيه آية البسملة التي تدعو إلى الرحمة، وليس إلى الترهيب والعنف والشدة.
مجلس الشورى وضع اللبنة الأولى للوقوف، بصرامة، أمام من يعبث بالوحدة الوطنية. كلنا أمل بأن يبدأ المجلس فعليا لإنهاء دراسة نظام تجريم التمييز المذهبي أو القبلي أو المناطقي خلال مدة محددة دون تسويف أو تـأجيل أو ممـاطلة أو تأخير. ليس من المنطق إقحام أي مواضيع جانبية أخرى في هذا النقاش، فالهم واحد والهدف واحد.
التاريخ حافل بمواقع وأحداث الاختلاف في الرأي، ولكن الإسلام حث على مبادئ حقوق الإنسان، ومن أبسط حقوق الإنسان احترام الأديان السماوية الأخرى حتى وإن اختلفنا مع طقوسها وعاداتها. نريد المواءمة المتّزنة بين ثوابت الشريعة الإسلامية السمحاء التي لن نحيد عنها، وبين متغيرات ومتطلبات العصر الحديث. نريد سنّ نظام واضح وصارم لتجريم كل مثير للطائفية والمتورطين في تأجيجها، تماما كما تفعل الآن الوزيرة النمساوية في بلدها.

الصورة: الوزيرة النمساوية، جابرييلا هاينيش هوسيك


http://www.alarab.co.uk/?id=43820

No comments: