December 17, 2014

هذه الفتوى غير ملزمة

هذه الفتوى غير ملزمة
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
17 ديسمبر 2014

وجه الملك عبدالعزيز- رحمه الله- بتشكيل لجنة فقهية متخصّصة تتولى إصدار مجلة للأحكام الشرعية من كتب المذاهب الأربعة، ولكن رد فعل العلماء في تلك الفترة، لم يكن إيجابياً. الملك فيصل- رحمه الله- أيضا وجه عام 1973 هيئة كِبار العلماء بمناقشة تقنين الأحكام القضائية؛ فصدر قرار الهيئة بمنع التقنين، بل وصدرت فتوى بالأغلبية تمنع حتى تدوين الراجح من الأحكام الشرعية.
في عام 2008 أعاد الملك عبدالله بن عبدالعزيز فكرة تدوين الأحكام القضائية إلى الواجهة، وأوكل هذا الأمر إلى هيئة علمية متخصصة تكون مرتبطة به لصياغة الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية، وغيرها مما يتطلبه القضاء. الهدف واضح وصريح؛ اختيار الراجح من بين المذاهب لإصدارها على شكل مواد يلتزم بها الجميع. كان أمام هذه الهيئة ثلاثة خيارات مصيرية؛ إما أن تحسم التقنين بالقبول، أو الرفض، أو أن تؤجل البت في الأمر إلى أجل غير مسمى.
في عام 2012، رفعت هيئة كبار العلماء مشروع “تدوين وتقنين الأحكام الشرعية” للمقام السامي لاعتماده، تحقيقا للعدل بين المتنازعين والحد من اختلاف الأحكام من قضاة محكمة لأخرى أو من منطقة لأخرى.
هناك من أيد المبادرة وهناك من عارض.
المعارضون لمبدأ تقنين الأحكام القضائية يتحجّجون بعدم جواز إلزام القاضي، أي أنهم يتعللون بواقعة الإمام مالك، الذي عارض رأي الخليفة هارون الرشيد بضرورة إلزام القضاة بـ“قول”. الدافع وراء الاعتراض أن صياغة الأحكام الفقهية بأسلوب معين سواء أكان من قبل أفراد أو لجان، من الممكن أن تستأثر بإنسانيتهم، وبهذا- حسب كلامهم- تكون نسبتها إلى الشريعة ليست دقيقة. حجج المعارضين الآخرين أن التقنين ينتج عنه تعطيل التعامل مع كتب الفقه، والحجر على القضاة، والحدّ من حركة الاجتهاد والنشاط الفكري. وكما أن التشدّد يأتي من ضيق الباع وضعف الاطلاع، كذلك فإن منع التقنين حرم الوطن من تطور ونمو النظام القضائي.
أما المؤيدون للتقنين فأكدوا أنه يحقق المصلحة المرسلة وأن عدم إلزام القضاة بقوانين مكتوبة، يجعلهم عرضة للاجتهادات، وهو ما يوسّع التفاوت في الأحكام التي تصدر عن القضاة. المؤيدون للتدوين شرحوا أن تقنين الأحكام القضائية سيسهم في تقليل اللجوء إلى المحاكم، والتسريع بإصدار الأحكام، والحد من التفاوت بين الأحكام في القضاء السعودي. أليست هذه الأمور من متطلبات تطوير النظام القضائي في المملكة؟
أصبح توجه العلماء الوسطيون اليوم، وخاصة المؤيدون لتدوين الأحكام، لأن الحاجة إلى التقنين أصبحت ملحة، والإلزام بالحكم، أمر مفروغ منه. الهدف من هذا التوجه الإيجابي هو رعايةً المصلحة العامة، وحفظاً للحقوق وبالتالي تحقيق العدل والعدالة في المجتمع. إضافة إلى ذلك، فإن تدوين الفقه لا يمنع الاجتهاد المنظّم، بل أن ترك القضاة يحكمون بما يصل إليه اجتهادهم يؤدي إلى فوضى واختلاف في الأحكام للقضية الواحدة.
وأخيرا، صدر أمر خادم الحرمين الشريفين، الأسبوع الماضي، بتشكيل لجنة شرعية موسعة لوضع مدوّنة أحكام شرعية لتكون نواة لتقنين الأحكام. الموضوع هام لاتصاله وتعلقه بالمرفق القضائي الذي يتم تطويره في الوقت الحالي.
هناك رغبة جادة في إنجاز التدوين بأسرع وقت، حيث حدد الملك 180 يوما لإنهاء مشروع المدوّنة. من قراءتي لأحداث تاريخية مشابهة، لست متفائلا أن المدونة سيتم إنجازها في تلك الفترة القصيرة، فهذا مشروع ضخم رُفض لمدة ثمانين عاما مضت، ولن يكون سهلا إقناع جميع الأطراف بإمكانية تنفيذه قريبا.
على سبيل المثال، هل ستشمل المدونة الأبواب التي تخص القانون المدني والتجاري والجنائي؟ هل ستشمل أبواب القانون العام الحديث أم الخاص؟ هل ستكون المدونة استرشادية أم ملزمة؟ سأترك التشاؤم جانبا، وآمل أن تسارع اللجنة بالعمل الجاد لإنجاز هذا المشروع النبيل الذي طال انتظاره.
مسألة تدوين الأحكام وتقنينها تجاذبتها أقلام الباحثين والفقهاء ودرستها المجامع الفقهية منذ عشرات السنين. التقنين والتدوين يعتبران حجر الأساس لإكمال منظومة تطوير القضاء في إطار الخبرة القانونية والقضائية.
التقنين يعين القضاة على الحكم الشرعي الصحيح وإنزاله على الوقائع القضائية. الهدف هو تحقيق العدالة بين المتنازعين في كافة القضايا المماثلة لكل القضاة، وهذا لن يتم طالما أن الاختلاف قائم بين الأحكام في الوقائع المتماثلة. التقنين أفضل من الاعتماد على اجتهاد ومعرفة الشخص الفرد، لأن ما استجد في واقعنا محليا وإقليميا من ظروف، يقتضي إعادة النظر في نظامنا القضائي.
عودة إلى الفتوى التي صدرت بمنع التدوين، نجد أن الفتوى تتحول بكل تأكيد بل وتتغير من وقت إلى وقت، ومن مكان إلى مكان، ممّا ينفي عنها صفة الثبوت. لعل الوقت حان لنعيد النظر في بعض الفتاوى الأخرى التي عفى عنها الزمن.

http://www.alarab.co.uk/?id=40595

No comments: