December 4, 2014

"الذيب مايهرول عبث"

"الذيب مايهرول عبث"
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
4 ديسمبر 2014

توقفت هذا الأسبوع عند تقرير حملة السكينة التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية، والذي يؤكد أن السعوديين المنضمين إلى تنظيم “داعش” لا يتجاوز عددهم 2000 شخص، فيما تصل أعداد موقوفي القاعدة والجماعات الإرهابية المتشددة إلى 11 ألف موقوف.
من قراءتي لتقرير حملة السكينة، ومن خلال مراسلاتي مع الشيخ عبدالمنعم المشوح، رئيس الحملة، الاستنتاج الواضح هو أن المواجهة الفكرية مع أصحاب التنظيمات الإرهابية ليست بالمستوى المطلوب، بل إن استمرار المواجهة بنفس المستوى “المتسامح” سوف ينتهي بها إلى الضعف أو التلاشي أمام المد السرطاني المتسارع لهذه التنظيمات الإرهابية.
داعية الفتنة يهرول، كالذئب، لتحريض الشباب على “الجهاد” تحت لواء الجماعات الإرهابية في الخارج وفي الداخل على حد سواء. التحصين الفكري للشباب لمجابهة تلك الجماعات المتطرفة بالمنهج الوسطي المعتدل، هو السبيل الأمثل لكبح جماح هذه الجماعات مثل “الإخوان” و”داعش”، وغيرهما من الذئاب الضالة.
شيوخ الفتنة، الذين يهرولون لتحريض الشباب، يعتقدون أن الانضمام “للجهاديين” في مناطق النزاع جهاد دفع مشروع، هذه ليست فقط كذبة كبرى بل ومصيبة عظمى. ولكن مع كل هذا، يعيش بيننا اليوم من يتعاطف مع “داعش” و”الإخوان” تحت شعار التسامح والتصالح، بينما هم في الواقع يكفرون مجتمعات بأكملها عبر حملاتهم الفكرية العقيمة.
علينا التفريق بين صحيح الإسلام وثوابت الدين من جهة، وبين التلاعب بالفكر والأيديولوجيا الدينية من جهة أخرى. علينا التمييز بين تفسير النصوص الشرعية السمحاء، وبين طريقة تفسيرها. علينا تصحيح الصورة القاتمة التي رسمها من يدعون إلى العنف وتدمير بنيان التماسك الاجتماعي باسم الدين، وخاصة هؤلاء الذين أضفوا على أنفسهم هالة التقديس المزيفة التي لا تمت لمنظومة أي دين أو مذهب بصلة من قريب أو بعيد. كيف وصلنا إلى مرحلة عم فيها الجهل والخرافات والخزعبلات التي كرستها ثقافة أيديولوجية مقيتة تتخذ من القشور دستورا، بل وتعتبر نفسها حاملة لواء الدين الصحيح؟
كم نحن في حاجة إلى خطاب ديني متسامح ومنفتح يؤكد المشتركات الدينية والوطنية العامة، مع النأي بالنفس عن شخصنة الخلافات المذهبية عبر الإقصاء والتكفير. لا يوجد في دين الإسلام الحنيف ما يبيح التحريض والتأجيج المستمر للعواطف والمشاعر، أو يسمح بقطع الرؤوس وسبي النساء والأطفال وغيرها من الممارسات الوحشية. نحن أمام تحدي هجمة أيديولوجية متأزمة تعمل على تكريس الجانب المعتم لتشويه الحضارة العربية والثقافة الإسلامية.
المجموعات الإرهابية التكفيرية تتمدد وتتناسل كالسرطان على امتداد الأراضي العربية، ورغم النمو الفكري والتطور الثقافي، مازالت هذه المجموعات تفرض نفسها وصية حصرية لمحاسبة البشر على نواياهم والحكم على ضمائرهم.
تتذكرون أسماء المتورطين في تنفيذ جريمة “الدالوة” الذين قبض عليهم؟ بين هؤلاء القتلة عدد غير قليل ممن انخرطوا في برنامج المناصحة. هذا يعني أن علينا العمل بجد لمراجعة البرنامج ودراسة دوافع انتكاس بعض المناصَحين وعودتهم إلى الإرهاب والتطرف.
قرأت إحصاءات توضح أن عدد المستفيدين من برنامج المناصحة بلغ 2791 شخصا، عاد منهم إلى الإرهاب 334، أي 12 بالمئة من إجمالي العدد. أي نسبة ولو كانت قليلة، تدعو إلى إعادة النظر في تفاصيل وجدوى البرنامج. على سبيل المثال، هل يتم غرس مبادئ الإصلاح والتجديد والتنوير، إضافة إلى التسامح والعدل وحقوق الأقليات وحقوق المرأة في البرنامج؟ هل يحرص المناصِحون على التوفيق بين ثنائيات متناقضة مثل النص والاجتهاد على سبيل المثال؟ لكي يكون البرنامج ناجحا علينا أن نكون أسرع من الذئاب التي تهرول لاقتناص شباب الوطن في كل مناسبة.
الصورة ليست كلها قاتمة، فقد صدرت عدة رسائل هامة مؤخرا ومنها نقاشات اللقاء الدولي “متحدون لمناهضة العنف باسم الدين” الذي نظمه مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا. الرسالة أكدت على براءة الإسلام مما يتعرض له المسلمون من تشويه لتعاليم دينهم وقيمهم ودورهم الحضاري بفعل ممارسات بعض الجماعات الإرهابية التي استخدمت الدين لتبرير أفعالها من قتل وتدمير بحق المسلمين وغيرهم.
المطالبة بمقاومة ومناهضة التطرف والعنف جيدة ومطلوبة، كذلك فإن اعتماد الحوار منهجا أساسيا لبناء السلم الأهلي والعيش المشترك وتعزيز المواطنة مبادرة نبيلة، ولكن هذه المساعي لن تكلل بالنجاح ما لم تكن هناك إدانة صريحة وعقاب صارم لما يتعرض له المجتمع من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستباحة ممنهجة للكرامة الإنسانية.
المثل الشعبي “الذيب ما يهرول عبث” ينطبق على الإرهابيين الذين يهرولون يمينا وشمالا، وكل ما نفعله هو مناصحتهم بالحسنى. الحوار المؤدب مع الذئاب عبثي ولا ترجى منه فائدة.

http://www.alarab.co.uk/?id=39574

No comments: