November 5, 2014

الفساد الياباني

الفساد الياباني
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
5 نوفمبر 2014

قدمت وزيرة العدل اليابانية، ميدوري ماتسوشيما، استقالتها الأسبوع الماضي على خلفية اتهامها بخرق القوانين الانتخابية. لم يصمت نواب الحزب الديمقراطي المعارض، فقاموا بتقديم شكوى “جنائية” ضد الوزيرة على فعلتها الشنيعة غير المسبوقة. الجريمة التي اقترفتها الوزيرة هي إساءة استغلال السلطة المؤتمنة من أجل المصلحة الشخصية: توزيع مراوح ورقية مجانية على الناخبين.
بصراحة أستغرب أن الوزيرة اليابانية لم تعلل جريمتها (توزيع مراوح ورقية) بأن جنّيا خبيثا قد استغل حسن نيتها ودبر لها “عملا” ثم تلبّسها، أو أن أحدهم أهداها حزمة نعناع لإرضائها. كان بإمكان محامي الوزيرة اليابانية أن يطلب إحضار الجنّي لسماع أقواله، هذا طبعا إذا كان كلام الجني يُعتَد به ويُبنى عليه حكم قضائي نافذ. أو ربما كان باستطاعة محامي الوزيرة طلب مساعدة راقِ ليخرج الجني عن سكوته، على أمل ألا يفصح الجني عن أسرار الوزيرة الأخرى المنوط بها الفصل في أمور الأمة.
الأمر الغريب الآخر هو عدم مراعاة القضاء الياباني لظروف الوزيرة المسحورة، باعتبار أن المسحور فاقد للأهلية، مثل النساء عند بعض شعوب العالم. لماذا لم يعين القضاء الياباني لجنة مختصة بقضايا السحر أو أعمال الرقية في هذه القضية؟ على الأقل في تلك الحالة كان يتعين استدعاء أخصائي سحر وشعوذة لرقية الوزيرة المتهمة.
باختصار، أستغرب أن تقترف الوزيرة اليابانية هذه الجريمة غير المسبوقة، مراوح ورقية! يا للهول!
كان بإمكانك سيدتي الاكتفاء بجرم صغير (ما يسْوَى) مثل إساءة استخدام السيارات الحكومية في غير الأعمال الرسمية المخصصة لها، أو التسيب الوظيفي، الواسطة، الرشوة، سوء استخدام السلطة، الاختلاس، التزوير، الابتزاز المالي، الاحتيال، أو التحايل على الأنظمة والقوانين. كان بإمكانك اقتراف جريمة عدم مراجعة أساليب العمل والإجراءات في وزارتك وخاصة تلك المتعلقة بالصرف المالي وحماية المال العام والمنافسات التي تتعارض مع النزاهة والمنافسة والكفاءة في تنفيذ المشاريع أو الحصول على المشتريات الحكومية.
كان بإمكانك الاشتراك مع كاتب عدل بتزوير صك مخطط جنوب طوكيو بإدخال مساحات أخرى على الصك الأصلي وزيادة مساحته النظامية. كان بإمكانك التحايل بالاشتراك مع بعض سماسرة الأراضي لتقديم أنفسهم كخصوم من خلال دعاوى قضائية بحجة وجود عقارات متنازع عليها صوريا، بهذه الطريقة كان بإمكانكم تحويل النزاع بينكم من نزاع خصومة إلى صكوك تملك بهدف استخدامها فيما بعد في البيع والشراء على البسطاء.
كان بإمكان الوزيرة الاكتفاء “بتمرير” موضوع المخطط ذي المليون متر مربع الذي لا تتجاوز قيمته ملياري ين بكل سهولة. كان بإمكان الوزيرة التورط في جريمة أقل خطورة كاستخراج صكوك وحجج استحكام بمساحة 11 مليون متر مربع، وتمريرها بواسطة عدد من هوامير الأراضي من خلال تقديم معاملات ومستندات غير نظامية.
لنفترض أن الوزيرة الموقرة لم تكن مقتنعة بجدوى الملايين التي كان بإمكانها أن تحصدها من تزوير صكوك الأراضي، كان بإمكانها التعاون مع مسؤولين سابقين وموظفين في أمانة طوكيو ورجال أعمال ومدراء أندية رياضية أو رؤساء شركات مقاولات ومهندسين، على الأقل هنا التهمة صغيرة ولا تتعدى عقوبتها جرائم الرشوة والتزوير واستغلال الوظيفة في تنفيذ مشاريع حيوية، ولكن أن تتورط في توزيع مراوح ورقية!
كان الأجدر بالوزيرة اليابانية التعاون مع قياديين في عدة مرافق حكومية في مشروع تصريف مياه الأمطار في أحد المخططات السكنية في طوكيو. على الأقل كانت الرشوة ضئيلة لا تتعدى ستة ملايين ين، والتهم صغيرة لا تتعدى التلاعب في تنفيذ مشاريع التصريف في أحياء ومخططات سكنية، وتسهیل معاملات المقاولین لدی أمانة طوكيو. بهذه الطريقة، كان بإمكان الوزيرة تفادي التهم المدونة ضدها، بالتزامن مع الالتماس الذي كانت ستقدمه للمحكمة. للأسف الطمع ضر وما نفع واختارت الوقوع في جريمة توزيع مراوح ورقية، عوضا عن تهمة صغيرة مثل سرقة مشاريع بالمليارات لم يتبق منها سوى أغطية الصرف الصحي الديكورية.
بصفة عامة، المرأة اليابانية، للأسف، ليس لها أي كيان قانوني، فهي لا تتمتع بتطبيق سلسلة الإجراءات الروتينية الجميلة التي تتمتع بها المرأة في المجتمعات الأخرى عند سعيها لإنهاء معاملاتها. على سبيل المثال تفتقد المرأة اليابانية حقّها الحصري بإحضار معرِّف يقوم بالتعريف عليها، ورجل آخر ليكون وكيلا لها لإنجاز معاملاتها. المرأة اليابانية تفتقد حقوقا أخرى مثل توكيل موكلها الأصلي بأن يوكل هو الآخر المعرف الذي ترغب بقيامه بإدارة أعمالها ومعاملاتها.
لم تنطل أساليب تحايل الوزيرة على الأجهزة الرقابية، وتم ضبطها بالجرم المشهود وهي توزع المراوح الورقية. ليس لدي شك أن ديوان المراقبة العامة الياباني استل سيفه الساموراي وأطاح بالوزيرة عبرة لغيرها.
http://www.alarab.co.uk/?id=37188

No comments: