November 26, 2014

لن ننسى "غصون" و "أحمد" أو "لمى"


لن ننسى "غصون" و "أحمد" أو "لمى"
عبدالله العلمي
العرب اللندنية 
26 نوفمبر 2014

نظام حماية الطفل الذي أقره مجلس الوزراء مؤخراً يؤسس لمنظومة حماية لكل شخص لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، تهدف إلى مواجهة الإيذاء- بكافة صوره- والإهمال الذي قد يتعرض لهما الطفل في البيئة المحيطة به. تأكيد النظام على حقوق الطفل التي قررتها الشريعة الإسلامية وقررتها الأنظمة والاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفاً فيها، يعني أنه لا مجال للتنصل من الاتفاقيات التي وقّعت عليها السعودية، مهما حاول العابثون وصف هذه الاتفاقيات بالتغريبية.
بغض النظر عن التسميات، ما يهم المجتمع هو ضمان توفير الحماية للأطفال من العنف بمختلف أنواعه الجسدي والجنسي والنفسي كالسب والاستهزاء أو اللعن والتحقير. إضافة إلى ذلك، نحتاج لمنظومة رسمية تقوم بتقديم المساعدة وتوفير الإيواء والرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية للضحايا واتخاذ الإجراءات النظامية ومعاقبة المتسببين في الإيذاء.
في المنامة، أبهرتني الأميرة مضاوي بنت عبدالرحمن آل سعود، وهي تشرح مشروعها الجاد لإحداث تغيير جذري وصارم في المواقف والسياسات والتشريعات والحد من الاتجار بالبشر في دول مجلس التعاون الخليجية وخاصة العنف ضد الأطفال. هذه هي المبادرات الإنسانية التي نحتاجها.
أوجّه الدعوة لكل من على علم بحالة إيذاء أن يبلغ عنها فوراً، وأن يلتزم كل موظف عام أو في القطاع الأهلي اطّلع على حالة إيذاء إحاطة جهة عمله بالحالة عند علمه بها. المفترض أن تقوم جهة العمل بإبلاغ وزارة الشؤون الاجتماعية أو الشرطة بحالة الإيذاء فور العلم بها. شخصياً أنصح بالتوجه إلى الشرطة، ولكن لن يكون الأمر مجدياً كثيراً إذا طلبت الشرطة حضور ولي أمر المُعَنَّف أو المُعَنَّفَة كمرافق أو ولي أمر أو مَحْرَم قبل النظر في الشكوى.
قابلت أحد أقرباء المُعَنَفة حنان الشهري وهالني ما سمعته عن تعنيف أشقائها لها، والتي قادها في نهاية المطاف إلى الانتحار بإضرام النار في نفسها. قصة حنان واحدة من قصص أخرى رواها لي أقارب المعنفات وكأني أسمع أساطير من كواكب آخرى.
كتبت سابقاً عن طفلة عسير “جواهر” التي زوجوها عنوة وهي في التاسعة، عاشت مع زوجها 7 أعوام… ضربها وأهانها وسرق مالها، ثم هجرها وأبناءها بلا معيل ليتزوج غيرها. عملت خادمة لتعيل صغارها.. الطامة الكبرى أنها اشتكت للمحكمة ولكن رُفِضَت دعوتها.
بعضنا ربما مازال يتذكر الطفلة “رؤى” ذات السنوات الثماني التي لاقت حتفها بمنزل أسرتها بالرياض في أغسطس الماضي، بعدما تعرضت للضرب والتعذيب على يد زوجة والدها. أخوها أحمد (11 عاما) لم يكن بأحسن حال، فقد تعرض هو الآخر للضرب والركل والتعنيف. نسيت أن أذكر أن “رؤى” و“أحمد” كانا يتعرضان للتعذيب الوحشي عند زوجة أبيهما رغم أنهما كانا مصابين بالأنيميا المنجلية. كانت زوجة الأب تمنع عنهما الطعام، وعندما تناولا خلسة قطعتين من البسكويت انهالت عليهما زوجة الأب بسلك توصيلة كهربائي حتى فقدا الوعي. وصلت الطفلة “رؤى” إلى مستشفى الإيمان وهي متوفاة، ورقد أحمد في المستشفى للعلاج.
أما طفلة بيشة فاسمها “ميرال” وعمرها ثلاثة أعوام. تعرضت للتعنيف مما سبب لها حروقاً بجسدها وقدميها وعلامات تعذيب وضرب مبرح في أنحاء عودها النحيل. الفاعل: الأب القادم من سلالة التماسيح المتوحشة. لا تختلف جريمة تعنيف “غيداء” في القنفدة كثيراً عن حالة “ميرال”؛ غيداء طفلة تبلغ من العمر 6 سنوات تعرضت للعنف من قبل والدها وزوجته الثانية بعدما طلق أمها. جلبها إلى منزل الزوجية الجديد وحبسها لمدة 7 أشهر وقام بتعذيبها وضربها بالسوط، كما حرقها في أماكن متعددة من جسدها. انتهى الأمر بغيداء دخولها إلى مستشفى القنفدة العام لتلقي العلاج.
إقرار نظام حماية الطفل يأتي انسجاماً مع التزام المملكة بالاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مثل اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب.
كما ذكرت سابقاً، لا مجال هنا للتنصل من هذه الاتفاقيات الدولية تحت ذريعة أنها تدعو “للتغريب”، أو التشبّه بغير المسلمين. حماية الطفل ركن مهم نابع من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف.
المطلوب الآن نشر التوعية بين أفراد المجتمع حول مفهوم الإيذاء والآثار المترتبة عليه، ومعالجة الظواهر السلوكية التي تنبئ عن وجود بيئة مناسبة لحدوث حالات إيذاء، وإيجاد آليات عملية وتطبيقية للتعامل مع الإيذاء بحالاته المتعددة.
تقول الدكتورة مها المنيف، رئيس برنامج الأمان الأسري، أنه تم تعنيف 270 طفلا خلال عام 1435 نُقِلَ 107 منهم إلى العناية المركزة في المستشفيات وتوفِّي 12.
لا يجب أن تتكرر مأساة طفلة مكة “غصون”، وطفلة الخبر “ريم”، وطفل جدة “راكان”، وطفلة نجران “هالة”، وطفلة عسير “جواهر”، وطفلة شرورة “فاطمة”، وطفلة القنفذة “غيداء”، وطفلة ينبع “تالا”، أو طفلة الرياض "لمى".

No comments: