November 12, 2014

أنفضوا مشلح الطائفية

أنفضوا مشلح الطائفية
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
12 نوفمبر 2014

اعتلى عضو مجلس الشورى محمد رضا نصر الله الاثنين الماضي منصة المجلس معلناً عزمه، وعزم العضو ثريا عبيد، على تقديم توصية مشتركة بتجريم الطائفية. الاقتراح من شقين؛
الأول مطالبة مستحقة لسنّ قانون يجرِّم الفتنة الطائفية ويعاقب مثيريها،
والشق الثاني نزع أية كلمة من مناهج التعليم، وحذفها من أي وسيلة من وسائل الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني، ومصادرة أي كتاب أو مطبوعة، تدعو إلى الفرقة والتمييز الطائفي أو القبلي أو الإقليمي.
تنقية مناهج التعليـم ووسائل الإعلام من المفردات العنصرية- ولو تلميحـاً- مطلب وطني نادينا به منذ عشرات السنين. حتى سموّ وزير التعليم اعترف بأننا تركنا التعليم للمتشدّدين فاختطفوا أبناءنا. أعتقد أن استنكار مدراء بعض الجامعات السعودية ومدراء عموم التربية والتعليم للجريمـة الإرهابيـة التي وقعت بقرية الـدالوة جاء متأخرا كثيراً، المهم متابعته بتطهير المدارس والجامعات من كل من يتجرأ على أنفـس معصومـة، لا ذنب لها، وأن يحال إلى الجهات المختصـة كل من يدعو إلى سفك دماء الأبرياء الآمنين.
للإعلام أيضاً دور هام في القضاء على التحريض، وأخص بالذكر بعض القنوات الفضائية، الشيعية والسنية، المتطرفة التي تتحمل مسؤولية إذكاء التشاحن الطائفي في المجتمع. أقل ما يمكن فعله هو إسكات “ضجيج” هذه القنوات، لما تسببه من “تلوث” ثقافي وفكري.
إضافة إلى التعليم والإعلام، لعلنا لا نغفل دور وزارة الشؤون الإسلامية، وقد صرّح وكيل الوزارة لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد توفيق السديري، أن الوزارة تقوم برصد ما يتم في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل منسوبيها من الخطباء والأئمة والدعاة، ودراسة ما يحصل من تجاوزات ومعالجتها. بمعنى آخر، لا مكان على المنابر لدعاة الطائفية وصانعي الفتنة والحقد والكراهية.
المتطرفون كما صنفهم رئيس حملة السكينة التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية عبدالمنعم المشوح، ينتمون إلى عدة فئات؛ من أهمها، في رأيي، من تأثروا بلغة تحريض ملتوية للقتل والتدمير استخدمت بكل وقاحة لغة شرعية، ووظّفت الاصطفاف الفكري لخدمة مذهبية إرهابية. وزارة الشؤون الإسلامية مشكورة لجهودها المتواضعة، ولكن تكاتف الدولة والمجتمع بعد حادثة الأحساء تتطلب تطوير أهداف الوزارة، بما يتّسق مع التغيير والحاجة العامة والسلم والأمن والمسؤولية الوطنية.
الذين يحرّضون على الأعمال الإجرامية ويعملون في الخفاء لتنشيط الفكر الضال هم أنفسهم من دسّوا السم في العسل، فحرّموا تعليم المرأة وعملها وحرية تنقلها ومشاركتها في التنمية. المتطرفون نجحوا، للأسف، في إقناع السلطة التنفيذية بأن إنشاء سينما في السعودية يتطلب موافقة 4 جهات حكومية، وأن قيادة المرأة السيارة فسق وفجور، وأن التصفيق حرام وتقليد للغرب الكافر، وأن تحية العلم والنشيد الوطني عادات تغريبية.
طالما أن هؤلاء- أصحاب خطاب التقسيم والتحريض والكراهية- يتحكمون في إصدار الفتاوى المتطرفة وبث الفتن وتشويه المناهج التعليمية، فهم بذلك يسعون لزرع الفتنة والتجييش والاحتقان واستهداف الوحدة الوطنية. هؤلاء هدفهم واضح وهو إشعال فتنة طائفية تتجاوز في حدودها وإستراتيجيتها أمن الوطن. هؤلاء بتشجيعهم على ازدراء الأديان والمذاهب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يمثلون نموذجاً بشعاً لما يريده الأعداء من زرع للفتنة بين أفراد المجتمع السعودي وضرب النسيج المجتمعي والوحدة الوطنية. هؤلاء هم من حاربوا برنامج الابتعاث والانفتـاح والإطـلاع على الثقـافات والحضارات الأخرى.
هـؤلاء هم من يسعون لشق اللحمة الوطنيـة، وليـس مواطنة صالحة تعمل بمهنة شريفة، أو تقود سيارتها لإيصال أطفالها إلى مدارسهم، أو التوجه لعملها للمشاركة في التنمية الاقتصادية.
تأخرنا كثيراً في قطع الطريق عمّن حاول أن يتصيّد في الماء العكر وترسيخ أسس الاعتدال والوسطية. حان الوقت لحث مجلس الشورى على إصدار نظام لنبذ الأفكار المنحرفة والمتطرفة، وسنّ قانون يجرّم الكراهية بكل ما تعنيه من طائفية وعنصرية وقبلية ومناطقية ومذهبية.
تجفيـف منابـر التحريض مطلب ضروري، فلا تزال الفتنة- كالأفعى- تتسلل في الظلام لغرس أنيابها في جسد الوطن لخلق الفوضى الداخلية وخلط الأوراق الوطنية.
هذه دعوة لنفض مشالح التطرف والطائفية والعمل الجاد لتجفيف منابع الإرهاب، وتطهير مناهجنا الدراسية من مفردات الإقصاء والاستعداء والكراهية.
علمتنا الأحساء مبادئ اللحمة الوطنية. كلنا أمل بأن يبدأ مجلس الشورى العمل، حالاً، لإنهاء دراسة نظام تجريم التمييز المذهبي أو القبلي أو المناطقي خلال مدة محددة دون تسويف أو تأجيل أو مماطلة أو تأخير أو إقحـام مواضيع جانبية أخرى، ومن ثم سنّ نظام واضح وصارم لتجريم كل مثير للطائفية والمتورطين في فعلها.
كلنا أمل ألا يتـم “تجميـد” المشروع كما تم تجميد مشروع مماثل كان قد تقدم به عضو المجلس الدكتور عبدالعزيز العطيشـان، منذ أكثر من عام، يحمل اسم مشروع “الوحدة الوطنية”، ولكنه لم يبتّ فيه حتى الآن. كذلك آمل أن يتضمن المشروع السماح بتأسيس جمعيات مجتمع مدني للتوعية ضد التطرف الفكري ومحاربة الطائفية.

في خطبته في سرادق العزاء في الأحساء المبتسمة المسالمة، قال محمد رضا نصر الله:
ﻻ النخل شيعي هنا
كلا وﻻ الينبوع سني
فأنا من اﻷحساء جئت
وجاءت اﻷحساء مني

http://www.alarab.co.uk/?id=37742

No comments: