October 29, 2014

جيب سعيدان


جيب سعيدان
عبدالله العلمي
الرؤية الاماراتية
29 اكتوبر 2014

استخرج المواطن سعيدان سيارة في جدّة وفقاً لنظام التأجير، يعود موديلها لعام 1997. حان وقت الصيانة الدورية لـ”جيب سعيدان” ولكنه رفض تسليم مبلغ 15 ألف ريال، كغرامة على زيادة الكيلومترات التي تسببت بأعطال في سيارته كما تدعي الشركة. طبعاً تم احتجاز السيارة حتى يدفع المستحقات المطالب بها.
لم يرضخ “سعيدان”إلى الابتزاز لعدم اقتناعه بالمبلغ المستحق عليه، ومن هنا بدأ التناطح في أروقة المحاكم.
لم يتنازل سعيدان عن حقه رغم صرف النظر عن القضية الأولى في عام 2002. وفي عام 2006 تفاجأ سعيدان خلال دعوى قضائية ثانية في المحكمة الجزئية بأن سيارته غير موجودة لدى الشركة، وأن تصنيع موديل سيارته قد توقف نهائيا. في 2007، توصل الطرفان إلى تسوية تقضي بإعطاء سعيدان مبلغ ترضية بـ25 ألف ريال، لكنها كانت تسوية مؤقتة ومازالت القضية عالقة في دهاليز العدالة.
“جيب سعيدان” هي أشهر قضية تشهدها أروقة المحاكم القضائية بين مواطن وإحدى وكالات السيارات، وتذكرني بعدة قضايا أخرى دخلت المحاكم أو المجالس التشريعية ولم تعد. الأمثلة كثيرة؛ ومنها على سبيل المثال قضيتي سيول جدة، وقاضي الجنّي، وقضايا الصكوك الوهمية.
تجلى “جيب سعيدان” أيضاً تحت قبة مجلس الشورى؛ من المواضيع التي ناقشها المجلس لعدة سنوات، ولم يصدر فيها قرار أو توصية نظام مؤسسات المجتمع المدني، وقيادة المرأة، ونظام التحرش، ومدونة الأسرة.
حقوق المرأة هي أيضا بين الشد والجذب لعدة عقود. حقوق المرأة يا سادة لا تحتمل التنافس بين تيارين؛ الأول يتهمها بتهديد اللحمة الوطنية، والثاني يحذرها من المفاسد ويربطها بالمحاذير. في 5 يونيو 2011 صدر قرار تأنيث المحال النسائية بعد عدة قرارات (لتمكين المرأة) معظمها للأسف شكلي ولم ينفذ. من ضمن القرارات المؤجلة وأهمها قرار مجلس الوزراء رقم 120 (وخاصة المادة الثامنة) الصادر في مايو 2004 أي قبل قرار التأنيث بـ7 سنوات.
للآثار نصيب من “جيب سعيدان”. مازالت الهيئة العامة للسياحة والآثار تواصل أعمال ترميم قصر عروة بن الزبير التاريخي الذي يقع على ضفاف مجرى “وادي العقيق” بالمدينة المنورة وموقع قلعة قباء التاريخية وعدد من المواقع التاريخية الأخرى. كلنا أمل ألا ينتهي وضع هذه المواقع الأثرية كما هو الوضع الآن مع المشروع التطويري السياحي التاريخي لـ”جبل القارة” في الأحساء. البعض يلوم الجهات المختصة في أمانة الأحساء والبعض الآخر يتهم الشركة المشرفة على تنفيذ المشروع. المبلغ الذي تم صرفه على مشروع تطوير “جبل القارة” المتعثر إلى الآن 50 مليون ريال فقط لا غير.
هل لخطط التنمية علاقة بـ”جيب سعيدان”؟ طبعاً، فما زالت الخطط تردد جملة “تنويع مصادر الدخل” منذ عشرات السنين، ومازال التوجه لإصدار أنظمة من شأنها “توجيه الاقتصاد نحو تنمية العنصر البشري” هدفاً آخر على ورق.
تستهوينا نحن الكتاب المشاكل التي تؤثر على الحياة اليومية للمواطن، مثل عدم توفير حلول عملية وواضحة لمشكلات السكن....
والتذمر من الخدمات الصحية....
وعدم استكمال بنية الاستثمار....
والحلم الكبير بتقليص معدلات الفقر ورفع مستوى المعيشة....
لماذا كل هذا القلق والمجتمع قد وصل إلى درجة عالية من الرفاهية، و60 بالمئة من المواطنين يمتلكون بيوتهم حسب مصادر بعض الدوائر الرسمية؟
ماذا عن مشاريع التعليم؟ هل أصابته أيضاً حمى “جيب سعيدان”؟ منذ عام 2009 وإدارة التعليم تنتظر استلام مجمع دراسي متكامل للبنات (روضة للأطفال، وثلاث مدارس للمرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية) في حي الوزيرية جنوب جدة. العمل توقف في المجمع بعد أن أنجزت هياكله بنسبة 60 بالمئة. إذا لم يتوصل أطراف القضية إلى حل عادل أو مؤقت، سيدخل المجمع الدراسي ضمن المشاريع الحكومية المتعثرة.
الوزارة طبقت الإجراءات النظامية وتم رفعها للجنة المختصة بالوزارة على أن يصدر قرار رسمي بسحب المشروع من المقاول. هل هذا يحل المشكلة؟
من المسؤول عن الأسر التي اضطرت لنقل بناتها إلى مدارس أخرى بعد تعطل العمل في مشروع حيهم الرئيس؟
من المسؤول عن الإهمال الذي يتعرض له هذا المشروع طوال هذه الفترة مما جعله مشكلة أمنية وسط الحي، فمداخله مفتوحة وكثير من الشباب والأطفال يدخلون إليه ويخرجون بحرية وسهولة.
قضايا سيول جدة وقاضي الجنّي ومشاريع الشورى وحقوق المرأة ومشروع جبل القارة والخريجات العاطلات ومشاريع التعليم والإسكان وعفش المطلقة وقيادة المرأة وحلم تنويع مصادر الدخل وقلة الضمان وتوثيق الصكوك المشبوهة وهروب الفتيات ومنع السعوديات من دخول الملاعب وخطط التنمية، مثلها مثل قضية “جيب سعيدان” التي بلغ عمرها الافتراضي قرابة 12 عاما تقريبا، ولكنها مازالت تبحث عن حل- ولو مؤقت- يرضي جميع الأطراف.

http://www.alarab.co.uk/?id=36586

No comments: