October 8, 2014

جهاد على صهوة حمار

جهاد على صهوة حمار
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
8 اكتوبر 2014

احتفل عدد من الشباب السعوديين بعيد الأضحى المبارك كل على طريقته. الشاب السعودي طلال الحازمي، وهو أصغر راصد جوي يعمل في الرئاسة العامة للأرصاد، كان على رأس العمل في المشاعر المقدسة في موسم حج هذا العام. قمة الفرحة عند طلال هي جهاده في رصد وقراءة الأحوال الجوية عبر أجهزة الرصد الإلكتروني. احتفال طلال بنجاح موسم الحج وعيد الأضحى هذا العام، يتناغم مع شغفه بقياس تقلبات الطقس، وحرصه على بث رسائل الاطمئنان على سلامة الحجاج.
يزاول طلال تخصصه في التعامل مع أجهزة الرصد الجوي في الرئاسة -رغم تواضعها- للتعرف على مؤشرات ارتفاع درجة الحرارة، واتجاه وسرعة الهواء، ونقطة الندى، والأمطار، وغيرها من أمور الأحوال الجوية. مهمة قد تبدو سهلة، ولكنها تتطلب جهدا كبيرا ومشقة وصبرا. هذا هو الجهاد الحقيقي.
أما الاحتفالات الأخرى بالعيد فـ”أبطالها” من صنف آخر. أحدهم هو الشاب السعودي محمد الفالح المكنى بـ”أبي سعد النجدي”، جهاده حصيلة انحرافات الدعوة والتربية والتعليم. انضم الفالح لـ”جبهة النصرة” ذراع تنظيم “القاعدة” في سوريا، حتى أصبح أحد أبرز قيادييها قبل أكثر من عام. عُرف بتشدده الديني، حتى أنه كان لا يُبيح التصوير ولا استخدام المواقع الاجتماعية. تدرّج الفالح في مراحل غسيل الدماغ، حتى تمت ترقيته لمنصب “الأمير الشرعي” لمعسكر التدريب في اللاذقية. وأخيراً، احتفل مقاتلو تنظيم “جبهة النصرة” الإرهابي بعيد الأضحى المبارك وفق طرقهم الخاصة، إذ نعوا أحد مقاتليهم “الشرعيين” الجهاديين، الذي قضى في قصف جوي يوم الجمعة الماضي. القتيل هو محمد الفالح.
للمعلومة، محمد الفالح هو “جهادي سابق” وكان أحد الموقوفين في السجون السعودية لعدة أعوام. يبدو أن جهود المناصحة لم تكن ناجحة تماما، فبعض من تتم مناصحتهم، إما أن يعودوا للإرهاب في الداخل، أو يلتحقوا بالجماعات الجهادية الإرهابية في الخارج كما هو الحال مع الفالح وغيره.
الشاب السعودي الجهادي الثاني الذي “تم الاحتفال به” بطريقة خاصة هذا العيد، هو أحمد الزهراني، أحد الذين تم تسييس فكرهم وثقافتهم وفقاً لأيديولوجية تعبوية متشددة. قاتل أحمد في اليمن، قبل انضمامه إلى “المهاجرين والأنصار” في سوريا، ثم بايع تنظيم “داعش”، ليعيثَ هو ورفاقه الجهاديون في الأرض فساداً.
أما سبب “الاحتفال” بأحمد، فهو لأنه قُتِل الأسبوع الماضي أثناء الاشتباكات في ريف حلب. هلّلَ المشائخ المحرضون وكبّروا من فنادقهم الفاخرة في لندن، ومن فوق صهوات حميرهم في تركيا احتفالاً بموت “المجاهد” أحمد. بعد حفلة التكبير، لابد وأن هؤلاء “المشائخ” عكفوا على دسّ المزيد من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في مناهجنا الدراسية لتعزيز فكرة متشنجة معينة يريدون غرسها في أذهان أبنائنا بالقوة الجبرية، الجهاد عن طريق جزّ الرقاب ونحر المدنيين الأبرياء.
بفضل محمد الفالح وأحمد الزهراني وغيرهما من الشباب السعودي “المجاهدين” المغرر بهم مثل بسام الجارالله، وأبوعبدالله الجزراوي، وأبوعمر المكي، وعبدالعزيز العمري، والدكتور السعودي الشاب الذي استبدل مشرط الجراحة بسكين نحر الرقاب، أصبح 50 بالمئة من الشعب الأميركي يعتقدون أن الإسلام يشجع معتنقيه على العنف، كما كشف أحدث استطلاع للرأي لمركز بيو الأميركي للأبحاث. هذه الاحصائية ليست مستغربة، فالضخ الأيديولوجي اليومي المتشدد، في المسجد والمدرسة ومراكز تحفيظ القرآن والمخيمات الصيفية، ساعد على تنشئة جيل ينتقد الاحتفال باليوم الوطني، ويحرض على كراهية فارسة الثمامة، والمنشدة جنى، وقائدة السيارة وعضوة الشورى، وبالتالي شوه المعاني السامية للإسلام الحنيف. لماذا الاستغراب من وجود محرضين على الإرهاب في الداخل؟ حسب البيان الرسمي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تم إثبات وتوثيق كذب وتضليل المحتسبين الرسميين في حادثة البريطاني، فما بالكم بالمجاهدين غير الرسميين.
نجحنا في التركيز على المظهر الخارجي في الشكل والملبس كمؤشر على التقوى والورع، وفشلنا في زرع صحيح الإسلام في قلوب وعقول الشباب. تحولنا من “خير أمةٍ”، إلى عصابات داعش، والإخوان، والسرورية، وتنظيم التبرير والدعوة، والقاعدة، والنصرة، والحوثيين، وبوكو حرام، وأنصار الشريعة، وأتباع الظواهري والقرضاوي والمقدسي وقطب والبنا. بينما كان الحُجّاج في مكة ومنى والمسلمون في شتى بقاع الأرض يحتفلون بعيد الأضحى المبارك، كان “المجاهدون” في عدد من التنظيمات الإرهابية يحتفلون وفق طرقهم العبثية الشرسة بتفجير أبنائنا في معسكرات الإرهاب في سوريا والعراق واليمن. وبينما بث المسلمون صورهم في مكة والمدينة وهم ينشدون “لبّيْك اللهم لبّيْك”، ظهر في بعض المقاطع عدد من المقاتلين السعوديين وهم يحتفلون بإنشاد الأبيات الجهادية التحريضية بجانب الأعلام السود، وربطها ببيعة أبي بكر البغدادي.
شتان بين الجهاديْن؛ أحدهما لصنع الحياة… والثاني لنشر الموت والدمار.

http://alarab.co.uk/?id=34819

No comments: