September 3, 2014

القفزات البهلوانية

القفزات البهلوانية
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
3 سبتمبر 2014

معظمنا شاهد لقطة اعتداء أفراد الهيئة على مقيم بريطاني مسلم وزوجته السعودية الأسبوع الماضي في الرياض، وخاصة «قفزة» المحتسب الأولمبية للانقضاض على المقيم من خلفه.
انزعج البعض من استعمال وزير التعليم خالد الفيصل مفردة «اختطاف» التعليم، وأن التعليم بأكمله في المملكة كان في أيدي أصحاب الفكر المتشدد، ولم يكن هناك مجال للفكر المعتدل ومنهج الاعتدال. الذين «قفزوا» من مقاعدهم انزعاجا، هم أنفسهم المدرّسون المتشددون الذين حرّضوا أبناء الوطن على مدى ثلاثين عاما على «القفز» على التعليمات، والسفر إلى الدول المجاورة لقتل الآمنين باسم الدين.
كذلك غضب البعض من قرار وزارة الشؤون الإسلامية بفصل أكثر من 3 آلاف من منسوبي المساجد، وطيّ قيد 100 خطيب جعلوا المنبر مكانا للبيانات السياسية. الذين غضبوا هم الدعاة المتشددون، لأن هذا القرار يحدّ من «قفزاتهم» المتشنجة لتجنيد وتحريض وتجييش الشباب للالتحاق بـ«داعش» وأخواتها لجزّ الرقاب وسبْي النساء.
علينا الاعتراف بأن المدرسة والمسجد كانا لفترة طويلة بؤرة تلقيح وتفريخ للإرهاب وتوظيف المراهقين وإرسالهم مع أكفانهم إلى أفغانستان وسوريا والعراق، طمعا في لقاء جنسي مع حور العين.
ولكن المدرسة والمسجد ليسا، بالضرورة، الأماكن الوحيدة المُحَفّزَة على التمويه والمواربة والتشكيك. تقول الأخصائية النفسية موضي الزهراني، إن الكثير صُدِم من موقف مجلس الشورى الذي تحفّظ على قانون الأحوال الشخصية، وسحب على قانون مكافحة التحرش بالنساء، رغم أنهما من المطالبات الحقوقية الإنسانية المكملة لنظام الحماية من الإيذاء للمرأة والطفل.
في عام 1996 اعتمد مجلس التعاون الخليجي وثيقة مسقط لنظام الأحوال الشخصية. منذ ذلك التاريخ (أي منذ ثمانية عشر عاما) تم تمديد العمل بالوثيقة عدة مرات كورقة استرشادية.
وفي عام 2005 صدر توجيه في السعودية بتشكيل لجنة لصياغة قانون الأحوال الشخصية، لتتضمن أحكاما متعلقة بالأسرة من زواج وطلاق وإرث مستقاة من الشريعة الإسلامية. طبعا لم يتم إصدار القانون، بل تم التحفظ عليه.
أما قانون منع التحرش فهو حكاية غريبة أخرى. ففي نوفمبر 2008، أي منذ ستة أعوام، بدأ مجلس الشورى في دراسة مشروع قانون لتحديد عقوبة جريمة التحرُّش الجنسي، ووضع العقوبات المناسبة لها في مجال العقوبات التعزيرية في الجرائم ذات الصبغة «الأخلاقية».
منذ ذلك التاريخ حقق العالم «قفزات» علمية جبارة، أنتجت الهند السيارة (نانو)، وأطلقت كوريا صاروخا يحمل قمرا صناعيا، ودشّنت «مايكروسوفت» نسخة نظام التشغيل (ويندوز 7)، وتم اختراع جهاز تنفّس محمول ليحلّ محل وحدة التنفس الاصطناعي، وتمت زراعة قصبة هوائية بفرنسا، وأجرى باحثون دراسات لتحضير أدوية لمرض شرايين القلب ولقاح لمرض الملاريا ولقاح آخر ضد سرطان البروستاتا، واكتشف الباحثون دوائين لالتهاب الكبد (سي)، ومازال مشروع قانون منع التحرش يقبع تحت مخدة المجلس.
وأخيرا وفي أغسطس 2013 صدر قانون «الحماية من الإيذاء» مكونا من 17 مادة يواجه المدانون بالإيذاء بعقوبة ناعمة بالحبس أقصاها عام واحد ودفع غرامة هزيلة لا تتعدّى 50 ألف ريال فقط لا غير.
ربما أحد أسباب تعطل إصدار قانون الأحوال الشخصية، وصدور قانون الحماية من الإيذاء بصيغته الهزيلة هو معارضة البعض (من خارج وداخل مجلس الشورى) لتقنين الأحكام القضائية. مبررات إصدار هذين القانونين أصبحت اليوم ضرورية، خصوصا مع «قفزات» الانفتاح التي يشهدها المجتمع السعودي، وموافقة المجلس الأعلى للقضاء الأسبوع الماضي على مدونة الأحكام القضائية. أتفق مع طرح الأستاذة الزهراني، وهي تمتلك خبرة طويلة في عدة هيئات تعنى بالحماية الاجتماعية، أنه عندما تغفو الملفات الحقوقية الهامة في أدراج لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى لشهور ثم يتم تحويلها إلى اللجنة الشرعية والقضائية فهذا مضيعة للوقت والحقوق، وتظل المرأة في صراع ومعاناة لا حدود لهما قد تستمر لسنوات لكي تحصل على حقوقها.
في تلك الأثناء، قفز داعية معروف وأصدر فتوى بالصوت والصورة يدعي فيها أن قانون منع التحرش يفتح الباب أمام الدعارة، رغم أن القانون ينطلق من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية القائمة على صيانة العرض، وكف الأذى، ومعاقبة المعتدي.
حان الوقت لتحقيق «قفزات» نوعية، وإقرار قانون الأحوال الشخصية بصيغته النهائية، وإعادة إصدار قانون منع التحرش بعقوبات أكثر صرامة وجدية. حان الوقت ليكون لدينا قانون ينظم العلاقات بين أفراد الأسرة، ويوضح حقوق المرأة والطفل والغائب والمجهول.
حان الوقت ليصبح لدينا قانون معتمد وموثق يحكم في قضايا الزواج والخطبة والمهر والنكاح وأركانه وشروطه وواجباته. حان الوقت ليصبح لدينا قانون يحكم بالعدل والإحسان في قضايا الإرث وحقوق الأبناء وقضايا النفقة والحضانة وحق النسب، وحماية المرأة من العنف والإيذاء. حان الوقت لرفع الحصانة عن أصحاب القفزات البهلوانية.

http://www.alarab.co.uk/?id=32013

No comments: