September 17, 2014

المرأة بين إنصاف 'العدل' وإقصاء 'الشورى'

المرأة بين إنصاف 'العدل' وإقصاء 'الشورى'
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
17 سبتمبر 2014

بينما تَلوح في الأفق بوادر إيجابية عن اتجاه وزارة العدل السعودية لإنصاف المرأة بإصدار تعديلات قضائية، مازالت المؤشرات الصادرة من مجلس الشورى توحي بإقصاء المرأة وتجريدها من أبسط حقوقها الشرعية.
شهد الأسبوع الماضي تجاذبات فكرية بين فريقين متناقضين في مجلس الشورى؛ الفريق الأول يمثل الشريحة المتشددة التي تعارض تطوير أنظمة وقوانين مؤسسات المجتمع المدني، والفريق الثاني يمثل الشريحة الوسطية الواسعة من المجتمع السعودي، التي تسعى للنهوض بالوطن لمصاف الدول المتقدمة.
الفريق المتشدد يصر على عرقلة مسيرة تمكين المرأة، وآخرها إزالة كل ما يتعلق بعمل المرأة كبيع المستلزمات النسائية وغيرها من مجالات العمل. السبب؟ لأن بيئة عمل المرأة حسب زعمهم “غير آمنة”، وأنها “بيئة مختلطة” والعياذ بالله.
هناك أيضا شريحة ثالثة في مجلس الشورى تتبنى مبدأ “مالي ومال الناس”، فلا تدلي بدلوها حول هذه التجاذبات الاجتماعية الهامة. السبب، ربما، لأن تجارب الأعضاء “المناضلين” السابقين لم تنجح في اختراق العراقيل الإسمنتية، ومازال هؤلاء الأعضاء يتعرضون لصواعق كهربائية رغم مرور عدة أعوام على انتهاء فترة عضويتهم في المجلس.
أبشركم أن الشوريات (على الأقل بعضهن) لسن من فئة “أسكت تسلم”. فقد تقدمت بعض العضوات الشجاعات بشكوى رسمية ضد أعضاء في مجلس الشورى، لشعورهن بـالامتهان من “انتقاصهم المستمر لعمل المرأة”.
ولكن بما أن الشريحة المتشددة (هداهم الله) يشكلون فريقا متخصصا بعرقلة مقترحات تمكين المرأة، فقد نجحوا بسحب نظام التحرش بعد أن وافق المجلس على عرضه، وفي تهميش مقترح قيادة المرأة -حتى بعد تقديمه بصيغته المرنة الجديدة- كما تحفظوا على نظام الأحوال الشخصية وعلى تعديل بعض أنظمة الأحوال المدنية المتعلقة بالمرأة.
الإصرار على سحب نظام التحرش ليس بجديد، فمحاربة فكرة وهويّة النظام بدأت في نوفمبر 2008، أي منذ ستة أعوام. سحب مسودة نظام التحرش من لجنة حقوق الإنسان وتسليمها للجنة الشؤون الإسلامية في المجلس بعد 7 أشهر من إعدادها (للمرة الثانية) مضيعة للوقت وهدر لحقوق المرأة. أما مقترح قيادة المرأة فهو مازال متعثرا يراوح مكانه رغم المحاولات الشجاعة لطرحه للمناقشة منذ أكثر من 10 أعوام.
إضافة لذلك، هناك تحفظ على نظام الأحوال الشخصية، مما يعني استمرار ضبابية العلاقات بين أفراد الأسرة فيما بينها وسلب حقوق المرأة والطفل، وبالتالي تظل قضايا الخطبة والنكاح والإرث وحقوق الأبناء وقضايا النفقة والحضانة في المجهول.
تأقلمنا مع واقع محسوم ومؤسف، وهو أن فئة قليلة جدا تتحكم في إصدار أو حتى السماح بمناقشة مواضيع معينة في مجلس الشورى، وخاصة تلك التي تتعلق بتمكين المرأة. الاختلاف في الرأي ظاهرة صحيـة إذا جاءت بأسلوب راقٍ، أما التقاذف العشوائي والتعميم بأن توظيف المرأة “سبب احتقان واستفزاز المجتمع”، مثير للسخرية والاستغراب. مطالبة عضو فاضل في مجلس الشورى بإلغاء قرار مجتمعي تمت الموافقة عليه من جميع مؤسسات الدولة المعنية، بما فيها المقام السامي بعد دراسات مستفيضة، هي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
إذا كان عمل المرأة بسبب سالفة فوبيا “الاختلاط” غير آمن، فلماذا لا يستقيل فضيلة العضو-ومن يسانده- من المجلس “المختلط” درءا للمفاسد ومنعا للشبهات؟
بالمقابل، جاء قرار وزارة العدل الأسبوع الماضي خطوة إيجابية لإنصاف المرأة لاسترداد حقوقها الشرعية المكتسبة. القرار منحَ الأم الحاضنة حق مراجعة الأحوال المدنية والجوازات وإدارات التعليم والمدارس، وإنهاء ما يخص المحضون من إجراءات لدى جميع الجهات الحكومية، بحيث تتمكن المرأة التي صدر لها حكم شرعي بالحضانـة أن تكـون وليتهـم الرسمية.
السبب؟ رصدت الدوائر العدلية الكثير من حالات الظلم التي يمارسها الأب ضد أبنائه بما فيها حرمانهم من العلاج والتعليم والسفر، كما ارتفعت دعاوى الحضانة المسجلة لدى المحاكم السعودية.
الشق الثاني الإيجابي في قرار وزارة العدل هو صدور توجيهات لمحاكم الأحوال الشخصية بأن تشمل قضايا الطلاق والخلع حسم موضوع الحضانة والنفقة معها في نفس الصك. لعل هذا يعجّلُ بإصدار قانون الأحوال الشخصية المعلق منذ عام 1996. مجلس التعاون الخليجي اعتمد وثيقة مسقط لنظام الأحوال الشخصية منذ 18 عاما، ولكن مشروع القانون مازال حبيس الأدراج “المغلقة”.
طبعا مازلنا ننتظر التطبيق العَمَلي والفعلي لقرار وزارة العدل دون تزمت أو تعنت أو تأخير. لست متفائلا كثيرا، وخاصة بعد صدور القرار المفاجئ لسمو وزير الشؤون البلدية بالتمديد للمجالس البلدية الحالية إلى السنة المالية للعام المالي 1437/ 1438هـ، مما يعني تأجيل دخول المرأة للمجالس البلدية.
الحل يا سادة في ترتيب بيتنا، يكمن في إخراج المرأة من سجون التشدد وتقاليد التسلط والخصوصية المزيفة وكهوف الفقهاء.

http://www.alarab.co.uk/?id=33196#morehidden

No comments: