September 10, 2014

أعداؤنا في الداخل

أعداؤنا في الداخل
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
10 سبتمبر 2014

تحلُّ غدا الذكرى الثالثة عشرة لغزوة 11 سبتمبر 2001. كنا نعتقد أن عدوّنا في الداخل هو القاعدة، ولكن منذ ذلك التاريخ برز عدوان إضافيان: الإخوان وداعش من ضمن مجموعات إرهابية “جهادية” متطرفة أخرى تنخر المجتمع السعودي.
هل هي مجرد مصادفة أن يعلن عناصر متعاطفون مع تنظيم “الدولة الإسلامية” النفير للخروج من السعودية في هذا التوقيت بالتحديد، والتوجه إلى الأماكن التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق؟
لم نسمع تحذير المشائخ إلا بعد أن وبّخهم الملك الإصلاحي عبدالله بانتهاج الصمت والكسل. أزعجونا لعقود طويلة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية واليوتيوب عن مُعَلَقات تحريم قيادة المرأة، ورياضة المرأة، وعمل المرأة، وأخيرا أضحوكة إسعاف المرأة. لم نسمع منهم تجريم الإرهاب الفكري والعقائدي.
عضو مجلس الشورى الدكتور عيسى الغيث، وجّهَ انتقادات حادة لأصحاب الرأي الشرعي الذين صمتوا عن جرائم التنظيمات الإرهابية، وأشغلوا الرأي العام في نفس الوقت بقضايا هامشية. أتفق، تماماً، مع دعوة الغيث لمحاسبة كل من يثبت تقصيره في تعرية الجماعات الإرهابية بما فيها تنظيم “داعش”، وفي مطالبته بإقالتهم من مواقعهم. الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، رئيس هيئة كبار العلماء، وصف تنظيم “داعش” الإرهابي بـ”الفئة الباغية الظالمة المعتدية على الدماء والأموال والأعراض”، بل ودعا إلى قتالهم.
بات واضحا أن البيانات والفتاوى من علماء الداخل لن تعالج وحدها الظواهر الفكرية المتطرفة. قلتُ في مقال سابق إنه قد ثبت بما لا يدعو للشك، أن بعض المدارس والمساجد هي أكبر وسيلة حاضنة لتفريخ الإرهاب في السعودية. لعلّي أضيف هنا أن صمت دعاة ومشايخ القرون الوسطى، وإحجامهم عن الخوض في قضايا الجماعات الإرهابية المتطرفة يجعلهم تماماً كالمحرضين على الإرهاب، بل ومشاركين فيه. صمتهم المريب شجع الشباب على التعاطف مع هذه الجماعات ذات الفكر التكفيري، وتم استدراجهم إلى مستنقعات التطرف.
الترزز خلف البشوت المذهّبة بالفتاوى والمناصحة والدراسات والمحاضرات والمخيمات لم تعد مجدية، بل ربما محرضة على الإرهاب. يجب رفع هالة القدسية عن الدعاة وخطباء المساجد الذين يحرّضون أبناء الوطن على السفر للجهاد الكاذب ومعاقبتهم. لم نسمع عن تدافع الدعاة والمحتسبين والشوريين لإحضار هؤلاء الإرهابيين أمام العدالة، كما هو سعيهم ونشاطهم غير المسبوق لاستدعاء “الفتاة المتبرجة” وإقصاء المرأة العاملة.
كيف تحولنا من “خير أمةٍ” إلى عصابات داعش والقاعدة والنصرة والحوثيين وبوكو حرام وأنصار الشريعة وأتباع جماعة البنّا وقطب والظواهري والقرضاوي والمقدسي؟ كيف انحدر بعض العرب والمسلمين لارتكاب أفظع وأبشع الجرائم الوحشية التي ترقى، كما أطلق عليها وزراء الخارجية العرب، لمستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟
لم يعد الاختلاف الفكري محصورا على العامة، بل أن النخب تنافسوا في الإدلاء بدلوهم. ربما حان الوقت لتحليل المقالين المتميزين للزميلين الفاضلين حمزة السالم الذي كتب “لم تَعُد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب اليوم إلا عبئاً على الدولة السعودية”، وتعليق الزميل عبدالعزيز القاسم على المقال بقوله “بل السلفية.. قوّة وديمومة للدولة”.
كما تخطط السعودية لتأسيس “مرصد” وطني لمكافحة المخدرات، أتمنى أن نؤسس أيضا “مرصدا” وطنيا لمكافحة الإرهاب. قلتُ، في عدة مناسبات، أن علينا الاعتراف أنّ بين ظهرانينا “دواعش” المتطرفين من الشيعة والسنَّة على حدٍّ سواء، وأن علينا التصدي لتغوُّل داعش في بيتنا الكبير.
نريد من مرصد مكافحة الإرهاب الفكري -بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية، المسؤولة عن خطاب الإرشاد الديني- أن يجيب على السؤال الأبدي: من زرع بذور الإرهاب والنزوع للعنف الذي نراه اليوم؟ نريد من المرصد أن يعمل على تطهير الفكر مِن كل ما دَسَّ فيه الداسُّون من بدع وعقائد منحرفة. نريد من المرصد تحليل جميع الاحتمالات، بما فيها مناهج التعليم والمنابر والمعاهد والفضائيات، وتجمهر المحتسبين لمعرفة أسباب تطرف الشباب السعودي.
علينا ألا ننسى أن أول شغب متطرف ظهر في حريق لمحل بيع أشرطة الفيديو مع تحطيم الآلات الموسيقية بالأقدام، تبعها تفجيرات شرق الرياض عام 2003، انتشرت بعدها مشاهد التخريب والتفجير والقتل وسفك الدماء. طرف الخيط هو المتطرف الذي أشاع الحقد والكراهية ضد التطور والثقافة والفن والمسرح، هو من عطّل وعرقل مقترحات تمكين المرأة، وحرّض على سحب نظام التحرش بعد أن وافق مجلس الشورى على عرضه، هو من حرض على دفن مقترح قيادة المرأة السيارة -حتى بعد تقديمه في صيغته المرنة الجديدة-، وهو من تحفظ على نظام الأحوال الشخصية، وعارض تعديل بعض أنظمة الأحوال المدنية المتعلقة بالمرأة، هو من اعترض على التصفيق والوقوف لتحية العلم. أعتقد الرسالة مفهومة.

http://www.alarab.co.uk/?id=32607

No comments: