August 7, 2014

حكاية امرأة اسمها جواهر

حكاية امرأة اسمها جواهر
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
7 اغسطس 2014

اسمها جواهر، فتاة سعودية من عسير زوّجوها وهي قاصر لم تكمل عامها التاسع ودون أوراق ثبوتية. ما المشكلة؟ حتى السيدة عائشة زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي ابنة تسع سنوات، وقد ثبت طبعا عدم صحة هذه الرواية.
إذا كان اليتامى لا تُدفع لهم أموالهم حتى يبلغوا سن الرشد، فمن باب أولى ألاَّ يُزوَّجوا حتى يبلغوا سن الرشد.
من هذا المنطلق، كيف يَسمح القضاء بتزويج القاصرات مع أن هذا يتعارض مع أحكام الزواج في الإسلام، القائم على التوافق الفكري والروحي وأركانه الثلاثة: السكن والمودة والرحمة؟
انتقلت جواهر من بيت أبيها في جبال الدرب بعسير، إلى سجن بيت زوجها في صامطة أقصى الجنوب. قامت بواجباتها كاملة وأصبحت امرأة قبل أوانها، قامت بمهام الحمل والولادة فأنجبت وقامت بالرضاعة وتربية الأولاد ورعايتهم وتدبير شؤون المنزل وشؤون زوجها.
عاشت جواهر مع زوجها مدة سبعة أعوام بدت وكأنها سبعين خريفا. وفي ليلة ظلماء، تفاجأت جواهر بزوجها يهجرها ويتركها مع أبنائها بلا معيل. ذهب سي السيد إلى محافظة أخرى وتزوج ابنة عمه ونسي زوجته جواهر وأبناءها، ولم يفكر بالتكفل بإعالتهم أو حتى السؤال عنهم.
لابد أن الزوج المبجل فَسَرَ قول الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) على أن الرجل قيِّم على المرأة ورئيسها وكبيرها، والحاكم عليها ومؤدبها، فأعطى للقوامة معنى الاستعباد والاسترقاق والقهر، عوضا أن يكون مكلَّفا بأمورها ومعْنيا بشؤونها. المعضلة طبعا هي الاعتماد على تفسير أحاديث ضعيفة أو أن يساء تفسيرها وكلاهما لا يُحتج بها.
يبدو أن الزوج اعتبر جواهر كالمملوكة، ملكها زوجها بعقد النكاح، ويبدو أنه نسي أن القوامة مشروطة بشرطيْ الأهلية والنفقة، وأن درجة القوامة هي مسؤولية وليست فضلا من الرجل على المرأة أن ينفق عليها.
لم تلجأ جواهر إلى أرصفة الشوارع ومواقف الإشارات، بل عملت كخادمة في البيوت كي تتمكن من الإنفاق على صغارها. هذا ليس ذنبها، فهي قد حُرِمَتْ حتى من الحصول على أوراق ثبوتية أو شهادة تخولها للعمل.
ذهبت جواهر إلى زوجها طالبة منه أن يتقي الله فيها وفي أبنائها. ولكن بما أنه أتى من مدرسة تقديس المرأة لزوجها وأن رضاه يدخل الجنة وغضبه يدخل النار، ويؤمن بالأحاديث الضعيفة مثل سجود الزوجة لزوجها، فقد قام بصفعها وضربها واستنكر وجودها. ضربها تيمنا بـ(اضربوهن)، رغم أن للضرب معاني كثيرة، منها: المفارقة والترك والاعتزال، ورغم عدم اتفاقها مع قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، ولا مع قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).
لو كان الزوج الهُمام يملك ذرة إيمان لتذكر الحديث الشريف (لا تضربوا إماء الله). للأسف، تم إخضاع الكثير من النصوص الدينية المتعلقة بحقوق المرأة إلى العادات والأعراف والتقاليد المخالفة لتعاليم الإسلام السمحة وبُنِيَت عليها أحكام فقهية موضوعة.
لو كان الزوج يمتلك أي حس بشري، لتذكر كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالنساء في عدة أحاديث ومنها (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهـلي)، و(أكمل المؤمنين إيمانا، وأقربهم مني مجلسا، ألطفهم بأهـله).
مرت بها أكثر من ليلة فارغة، ولكن ما جدوى الضوء والوحدة عتمة؟ ما جدوى الضجيج والعيش في المنفى؟
لم تيأس، وبدأت بالبحث عن مسكن يأويها وفلذات كبدها. تعمدت جواهر أن تكون قرب زوجها عله يرأف لحالهم ويعود إلى صوابه. فكرت جواهر ببساطتها وعفويتها أن زوجها ربما يتذكر تضحياتها وصبرها، فاتها أن تعرف- مثل كل النساء- أنّها كالمملوك للزوج، وينبغي لها الصبر على أذاه كما يصبر المملوك. ماذا كانت النتيجة؟ طلقها زوجها ورماها وأبناءها إلى المجهول. ولكن الدنيا بخير، سخّر لها الله فاعل خير لا تعرفه تكفل بدفع إيجار الشقة التي تسكنها.
ولكن طليقها لم يكتفِ بإهانتها وضربها وطردها، لحق بها إلى شقتها وتهجم عليها وعلى أبنائها كالكلب المسعور، ثم سرق منها مبلغ تسعة آلاف ريال كانت قد جمعتها من عملها كخادمة. وكأن لهيب الحقد والبغضاء لم يكتف بما أجرمت يداه، فأخذ منها قطعة من قلبها، ابنتها، فهو في حاجة إلى خادمة تعمل تحت أقدام زوجته الجديدة. هذه هي نتيجة ثقافة التعامل مع المرأة على أنّها خلقت لمتعة وخدمة الرجل وفرض الوصاية الأبدية عليها.
لم تيأس جواهر من رحمة الله، تقدمت بشكوى لمحافظة البدائع، وقدمت دعوى في المحكمة ضد زوجها لعل القضاء ينصفها. لم تلتفت المحكمة لجواهر، ليس فقط لعدم امتلاكها بطاقة هوية، بل لأنها امرأة… فهي بذلك.. عديمة الهوية.

http://www.alarab.co.uk/?id=29742

No comments: