August 27, 2014

الوسطية أقوى من محرضي "تمير"

الوسطية أقوى من محرضي "تمير"
عبدالله العلمي
العرب (اللندنية)
27 أغسطس 2014

وصلتني رسالة من الشيخ عبدالمنعم المشوح، رئيس “حملة السكينة للوسطية” التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية، تعقيبا على تقرير عن قياس التطرف عند الشباب السعودي. الرسالة صيغت بأسلوب راقِ، برغم اختلافنا في الرأي في بعض وجهات النظر الأخرى.
لمن لم يطلع على حملة السكينة للوسطية، فهي مبادرة تطوّعية مستقلة تقوم- كما يدل موقعها- على “التصدّي للأفكار والمناهج المنحرفة المؤدية إلى العنف والغلو، ونشر المنهج المعتدل وتكريس قواعده وضوابطه ومفاهيمه وبناء شخصية إسلامية متوازنة مُنتجة وإيجابية وواعية” من ضمن أهداف أخرى.
شرح الشيخ المشوح في رسالته كيف تعيش حملة السكينة أزمة ومعاناة (كما وصفها) في مجال الدراسات والأبحاث وقياس الرأي، وكيف يؤثر هذا سلبا على أداء عمل الحملة التوعوي. كذلك أوضح أن الحملة بدأت بقياس التطرف العنيف في شبكات التواصل، وأن المؤمّل هو طرح مشروع أوسع وأكثر علمية.
في رأيي المتواضع، «المشروع الأوسع» يبدأ بنزع “النبتة” من جذورها، وأقصد “نبتة السلفية الجهادية” التي أثارها الشيخ عادل الكلباني في عدة مناسبات دعوية وإعلامية.
تزامنا مع هذه الخطوة، اقترحت أن نعقد مؤتمرات حوارية مع الشباب عن الوسطية لتحصين الفكر الغض- وليس الحجر عليه- في جميع مناطق المملكة دون استثناء. لن نستطيع القضاء على الأفكار المنحرفة التي دسّها المتطرفون في خطب المساجد المتشنجة وكراسات المدارس خلال الثلاثين عاما الماضية بين ليلة وضحاها، بل يتطلب عملنا إقامة مشروع ثقافي وطني شامل لطرح حلول عملية لظواهر التطرف والإرهاب لتحقيق الاعتدال والوسطية.
أريد أن أتوقف عند خمس جهات بإمكانها المساهمة في تفعيل هذه المبادرة.
أولاً: خطباء المساجد الذين يعتلون المنابر بخطبهم الرنانة ودعواتهم المغلفة بغلاف ديني التي تدعو إلى الجهاد. في مداهمة قرية “تمير” يوم الاثنين الماضي تم القبض على إمام مسجد من ضمن المحرضين على الالتحاق بداعش. هذا ليس وقت تصفية حسابات كما “يجاهد” البعض بوصف الإصلاحيين بالليبراليين (وكأن الليبرالية عار أو مسبة)، وقد أبدع زميلنا خالد المعينا في تفنيد هذا الأمر بأسلوبه الرشيق. كذلك، من المعيب وصف المفكرين وكتاب الرأي بالسفهاء والتغاضي، في نفس الوقت، عن فقهاء المال وتجار الفتاوى الذين يُكَفِرون الطوائف والأديان الأخرى في كل شاردة وواردة.
الآن هو الوقت المناسب ليضع الجميع خلافاتهم الفكرية جانباً، والعمل على استعادة المساجد التي اختطفت أبناء الوطن وحوّلتهم إلى متطرفين عبر الخطاب التكفيري المتشدد.
ثانياً: المدارس والجامعات التي عَطَلَتْ فكر وإنتاجية أبنائنا الطلاب، تقع عليها مسؤولية تطهير التعليم من المد الإخواني، كما دعا رئيس الهيئات الدكتور عبداللطيف آل الشيخ. نريد منكم وضع اللبنة الصلبة لحماية أبنائنا من الانتقال من مقاعد الدراسة إلى متطرفين، ثم مقاتلين و”مجاهدين” في جبهات الإرهاب في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.
في مداهمة قرية “تمير” يوم الاثنين الماضي تم القبض على مدرس تربية إسلامية من ضمن المحرضين على الالتحاق بداعش. هناك عدو جاهل واحد متربّص بنا، يخطف أبناءنا ويزج بهم في عمليات انتحارية إرهابية ليست لنا فيها ناقة ولا جمل.
ثالثاً: مجلس الشورى العائد الأسبوع القادم، مطالب بدعم مبادرة الوسطية. لا أقصد فقط رفع توصيات لنبذ الارهاب (والتي تخطى عددها 40 توصية معظمها مازال حبراً على ورق)، ولكن لسَنّ عقوبات مشددة على التيارات الإسلامية الحركية التي تعبث بالأمن الفكري. دور مجلس الشورى هام في تجريم تحريض أبنائنا على نحر الرؤوس وسبي وبيع النساء وتهجير الآمنين من بيوتهم بحجة إقامة دولة الخرافة.
رابعاً: أن تتعاون الجهات الأمنية في دول مجلس التعاون الخليجي (المهتمة) لإيجاد تكتل صلب واحد لمراقبة التنظيمات المتطرفة (الإخوان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة)، وسن عقوبات صارمة بحق المتعاطفين والمؤيدين لهذه الجماعات الإرهابية. علينا جميعا مساندة الأمن في تَعَقّب الخارجين على الإجماع الوطني من على المنابر في قرية “تمير” أو غيرها، أو الشاشات أو المخيمات، أو المدارس والجامعات.
خامسا: الإعلام مطالب بكشف أصحاب الفكر المتشدد الذين يزرعون التطرف والإرهاب في عقول أبناء هذا الوطن وبناته. عدم التفاعل الجاد والمستمر للإعلام الرسمي والخاص في كشف المتطرفين غير مبرر بتاتا في هذه المرحلة الحرجة.
لعلي أقتبس من مقال الزميلة حسناء القنيعير التي أسهبت في مقالاتها في وصف الغلاة المتشددين الذين جيّشوا أو قادوا مواكب الاحتساب اعتراضا على كل جديد، واقتحموا الفعاليات الثقافية، وتهجموا على النساء في المطاعم والأسواق، ولاحقوا السيارات لمجرد الشك في نوايا أصحابها.
عودة إلى رسالة الشيخ المشوح، وقد ختمها بطموح وأمل في أن تتعاون الجهات المعنية مع حملة السكينة بالأبحاث والدراسات لقياس التطرف في مجتمعنا بشفافية ومصداقية، لأن هذا من وجهة نظره سيفيد المجتمع وجميع الجهات في معرفة الاتجاهات الخطرة، وفي بناء برامج معالجة بشكل سليم. نريد تعزيز فكر الوسطية ونبذ ما عداه من التطرف الذي شهدناه في “تمير”، ولكن علينا المبادرة الآن وقبل فوات الأوان.

http://www.alarab.co.uk/?id=31421

No comments: