August 13, 2014

لماذا يخشون التقنين؟

لماذا يخشون التقنين؟
عبدالله العلمي
العرب اللندنية 
13 اغسطس 2014

مر هذا الأسبوع أربعة أعوام على صدور القرار الملكي بتقنين مؤسسات الفتوى في هيئة كبار العلماء فقط، ومع ذلك مازالت الفتاوى تشكل طروحات تصادمية بين مختلف شرائح المجتمع. من المفترض أن التقنين يعالج ثلاث قضايا رئيسة؛ الفتوى والخطابة والحسبة، ولكن كالعادة نشاهد التأزم الذهني بين الفكرة والتطبيق.
أركز هنا على قضيتين نالتا نصيبهما من الفتاوى المتشنجة، مما أدى إلى استسلام العقل للوصاية المتشددة بسبب خلط المفاهيم والخلط المتعمد للأحكام الفقهية، هما قضيتا فتاوى المرأة والجهاد.بالنسبة إلى الفتاوى المتعلقة بالمرأة، فقد أبدع بعض الفقهاء في كارثة سد الذرائع لدرجة أن المجتمع يخوض معارك أيديولوجية حول تلك الفتاوى المثيرة والتغييب الممنهج فيها للقيم والأخلاق.
الفتاوى المتعلقة بالمرأة أدخلت المباحات ضمن قائمة سد الذرائع، فأصبح عمل المرأة مباحاً ولكن بعد قائمة طويلة من الضوابط الصارمة، تحولت المرأة بموجبها إلى وسيلة للتندر على المجتمع السعودي. فتوى تحريم قيادة المرأة للسيارة، مثلا، فيها تقسيم نوعي ومبررات غير منطقية على الإطلاق. هذه المبررات الواهية تعتمد بالدرجة الأولى على فقه المتوقع وليس فقه الواقع؛ (أن المرأة ستكون طليقة تذهب إلى ما شاءت ومتى شاءت لأي غرض تريده وفي أية ساعة من الليل أو النهار). باختصار، حَجَبَ أصحاب هذه الفتاوى عن المرأة حصولها على أبسط حقوقها المشروعة، رغم عدم وجود اختلاف الأحكام باختلاف الجنس في القرآن الكريم، فكما التكاليف واحدة فالحلال والحرام كذلك على المرأة والرجل على حد سواء.
أما الجهاد الكاذب، فقد نال نصيب الأسد من الفتاوى الشاذة، كما أصابت هذه الفتاوى الخبيثة خاصرة الوطن في شبابه، وخاصة تلك التي خاضت في مسائل العقائد والتفسيق والتبديع والجهاد والتكفير.
نريد حماية المجتمع من فتاوى الفوضى باسم الدين. لا مكان بيننا للفتاوى التي يجندها شيوخ الفتنة المضللون لإشعال الأحقاد والكره والعداوات والبغضاء. هم ليسوا كسالى أو صامتين، بل خلطوا المفاهيم وحولوا أبناءنا إلى قنابل موقوتة يحركونها لتنفيذ أجنداتهم الإرهابية. أصحاب هذه الفتاوى الشاذة هم مشائخ الخرف أصحاب الغلو والضلالات الذين يستبيحون الدماء باسم الدين والدين منهم براء.
أصحاب هذه الفتاوى أخذوا بالرأي الواحد (الحقيقة الواحدة)، وتجاهلوا اختلاف آراء العلماء، فطرحوا في سوق (الكاسيت) فتاوى “جهاد النكاح” الشاذة التي سارع إليها من لا يفقه أحكامها. تمدّدَ مفهوم الجهاد الكاذب، فقتل المسلم أخاه المسلم باسم الجهاد في سبيل الله، وتحول طبيب شاب وأطفال في العاشرة بين ليلة وضحاها إلى انتحاريين وإرهابيين.
جحافل التطرف- كما أسمتهم الكاتبة النبيلة حصة آل الشيخ- ترتبط مصالحهم بتخلف المجتمع وعزلة الفكر الواحد مما أفقدنا قيمة الحرية واحترام حقوق الإنسان. للأسف، لازال المتطرفون يصورون أنفسهم حماة للدين، وما برح أصحاب التنظيمات الاحتسابية السرية ينفثون السم في المناسبات والمخيمات بدون كسل أو ملل.
الهدف من تقنين الفتاوى حماية المجتمع من التيار الذي انجرف فيه الكثير من “العلماء” مؤخرا، لدرجة أن القشور تصدرت المشهد، ووصلنا إلى حافة الكوارث الدينية التي وظفها البعض لأجندات سياسية وإرهابية. حتى رئيس هيئة الأمر بالمعروف بمنطقة تبوك الشيخ فهد السويح أكد أن أصحاب الفتاوى الباطلة خصوم للإسلام.
تحديد الفتوى في مؤسسة هيئة كبار العلماء جاء حماية للمجتمع، وتقنيناً للاختلاف العلمي بين علماء الشريعة لإنهاء الفوضى الإفتائية العارمة وللقضاء على هيمنة العبثية وتمدد التطرف والغلو وسوق الكذب والنفاق. تَرْك الفتوى منفلتة في مئات المواقع الدينية الارتجالية والفضائيات من دون ضبط أو تقنين، يشكّل خطأً جسيماً يهدد نسيج المجتمع على المستوى الأمني. النتيجة الكارثية هي استمداد القوة الكاذبة من الولاءات القديمة والمعتقدات البائدة.
ولكن لكي نتمكن من تحقيق الفائدة من التقنين، يجب الاستعانة بعلماء متخصصين في العلوم الأخرى مساندين للرؤية الشرعية. وكما أن النص الديني لا يعارض الأخلاق، فهو كذلك لا يتعارض مع العقل والمنطق. من هذا المنطلق أتفق مع اقتراح بعض المفكرين بالاستعانة بمتخصصين في الطب والفلك والاقتصاد، فالفتوى تدخل في صميم أمن المجتمع الفكري والاجتماعي والأمني وليست مجرد طقوس فارغة المحتوى والمضمون.
لسبب ما، يخشى بعض المشائخ التقنين؛ رفضوا تقنين الأحكام القضائية بحجة أنه يغلق باب الاجتهاد وهذا طبعاً تبرير كاذب وغير دقيق، ورفضوا تقنين الفتاوى والنتيجة أن شاشات الإفتاء والمواقع الإلكترونية تكبّ كل يوم ما هب ودب من نفايات الفتاوى الغريبة والشاذة. حان الوقت لوقف الانفلات الكامل لهذه الفتاوى التي يبثها مشائخ الخرف.. حان الوقت لطرح البديل.

http://www.alarab.co.uk/?id=30265

No comments: