July 9, 2014

المحرضون

المحرضون
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
9 يوليو 2014

في نوفمبر 1995 كـان أربعة شباب سعوديين في عمر الزهور يقودون سيارة في أحد شوارع الرياض. انطلقت السيارة المشؤومة إلى حي العليا (شارع الأمير سلطان) لتنفـجر بعد ذلك بالقرب من مبنى سكنـي يقطنـه خبـراء أجانب يعملـون لصالح مركز التدريب للحرس الوطني.
التاريخ يعيد نفسه. تم الكشف أن الانتحاري الذي فجر نفسه في «غزوة بيروت» الشهر الماضي يبلغ 20 عاما، وهو مطلوب من السلطات السعودية، وأن الموقوف يبلغ 20 عاما وأيضا سعودي الجنسية.
ما الذي دفع هذين الشابين إلى الانتقال من فصول الدراسة إلى أحضان الإرهاب، فحملا السلاح عوضا عن الكتاب بنية تفجير وقتل الآمنين؟
أسس جهيمـان العتيبي التاريخ الحديـث للأعمال الإرهابية في السعودية التي اعتمدت في مجملها على تحريض الفتاوى. في 1996 وقعت تفجيرات إرهابية في الخبر وقتل عدد كبير من المدنيين.
شهد عام 2003 الاعتداء الإرهابي على مجمعـات الحمـراء وغرناطـة وأشبيلـية وحي المحيا في الرياض، تلاه في 2004 تفجير مبنى المـرور ومـواجهـات حي النخيـل وتفجيرات المعذر إضافة إلى خمس عمليات إرهابيـة في مدينـة ينبع ومذبحة الراكة المشؤومة في الخبر.
العلامة الفارقة في 2005 كانت مواجهات حي الجوازات بالرس، وفي عام 2006 الاعتداء الإرهابي على مرافق أرامكو في ابقيق. ما يثير الاهتمام أن مرتكبي هـذه الجرائم الإرهابية أصبحوا معروفين ونشرت صورهم في الصحف المحلية والعالمية، وأصبح يُشار إلينـا بالبنان، بينمـا المحرضون على «الجهاد» يختبئون في قصورهم العاجيـة، أو يظهـرون ببشوتهم الفاخرة يُنَظِرون في برامج الفتاوى الفضائية وخطب الجمعة الحماسية المنمقة.
كيف ترك الشباب السعودي قاعات الجامعة وكتب العلم والتحقوا بعصابات «الصحوة» ذات الثقافـة الهشـة، ذات مرجعيـة «الكاسيت» الرخيص والكتيبات «الصفراء» وبعض الخطب المملة التحريضية؟ من أبـرز منتجات هذه «الصحوة»، الكم الهائل من الإرهاب الفكري الذي عصف بعقول أبناء الوطن، حتى دفعهم هذا الفكر المقيت إلى مصيدة القلق والاكتئاب والكراهية.
أبدع المحرضون في بيع منتجاتهم “الموقوتة” فسرقوا البهجة والفرحة من حياتنا وعملوا على ترسيخ مبدأ كراهية الدنيا، وأقحموا الشباب في مجالس العـزاء اليومية، وكأن الدين كله مختصر في التحريـض علـى قـتل «المشركـين والنصـارى».
كيف أصبح السعودي موضع شبهة في مطارات العالم؟ ثم ماذا عن المدعو إبراهيم عسيري، صانع القنابل المتهم بالتعاون مع تنظيم «داعش» والمنظمات الإرهابية الأخرى لاستهداف رحلات جوية غربية؟
ما الذي دفع العسيري، الكيميائي البارع، من التحول من خدمة وطنه بعلمه وفكره، إلى صانع محترف للقنابل على رأس قائمـة المطلوبين في العالم؟ للأسف، المسجد- رحاب السلام والاطمئنان- ما زال وسيظل أقوى وسائـل الإعـلام، على الإطـلاق، لتأثر الناس وقبولهم لما يقوله المحرضون.
نجح المحرضون، للأسف، في وأد التفاؤل والخير والحياة والنجاح، واستبدلـوا بهـا صور الإحبـاط و«الاستشهاد» وصور عذاب القبر وعذاب النار. بالتالي، حقق المحرضون هدفهم باليأس من العمل، عوضـا عن احتضان القيم الإسلامية السمحاء التي تحفز الإنسان على العلم والعمل والبناء.
دعوا لخراب الدنيا عوضا عن الدعوة إلى عمارة الأرض، حرضوا عبر فتاوى البغضاء والحقد والكراهية على القتل وجز الرقاب، عوضـا عن السعي في تحصيل العلـم وبناء الوطن والتنمية.
النجاحات الكبرى التي حققها الأمن في مكافحة خلايا الإرهاب الفاعلة والنائمة في القرن الماضي جيدة، ولكنها غير كافية.جهود المناصحة التي بذلت داخل دهاليز السجون لا شك أنها ساعدت، نوعا ما، على الحـد من عـودة الإرهابيين إلى حمـل السـلاح، ولكنها في حاجة إلى جهود فكرية وثقافية ونظامية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
من الواضح نجاح الإلحاح المقيت الذي فرضته «الصحوة» على صدر المجتمع واستنبتت له الدعم المادي والمعنوي باسم الدين، فجهز المخططون أرتالا من شبابنا، وزجوا بهم في بؤر التوتر والإرهاب حول العالم، عبر الأئمة والخطباء والمفتين الذين حرضوا أبناءنا على السفر لذبح الأبرياء. الإعلان عن إعفاء هؤلاء الأئمة بسبب تشددهم وتطرفهم وانحرافهم الفكري وربما إطلاقهم لبالونات ومفرقعات فتاوى تحريضية تعاطفا مع الجماعات الإرهابية جيد، ولكنه لا يكفي.
ما هو الحل؟ لا بد من جهد ثقافي كبير على مستوى الوطن كله يوازي- بل يتفوق- على جهود المحرضين وما تحمله قلوبهم من حقد وكراهية. أجدد دعوتي إلى لجان وزارة الشؤون الإسلامية لتعزيز جهودها لمتابعة أداء الأئمة والمفتين والخطباء.
أكرر رجائي للسلطات المختصة لإعادة تأهيل «المناصحة» ومن يقوم عليها. يجب وقف تغلغل الفكر الإرهابي في المدارس والجامعات والمساجد والمخيمات والمجمعات، لاجتثاث ما كرسته «الصحوة» على مدار أكثر من ثلاثين عاما.
الإرهاب نفق مظلم قبيح يتطلب كسر جهود القائمين عليه بصدق وشجاعة دون خوف من هيئات أو جماعات، بأمانة تعلو فـوق الشبهـات، ووضوح لا يعرف المجاملات.

No comments: