July 31, 2014

الإمام المفحط

الإمام المفحط
عبدالله العلمي
31 يوليو 2014

يبدو أن أول من "جاب العيد" هذا الأسبوع هو إمام وخطيب مسجد بمحافظة بيش في منطقة جازان. فقد زاول هذا الإمام الهمام هواية التفحيط بسيارته في الرواق الذي تم تخصيصه للنساء لصلاة العيد! هدف الإمام المغوار هو تفريق النساء الحاضرات لصلاة العيد وإفزاعهن.
هذا ليس كل شئ، بل كاد الإمام الغراندايزر أن يدهس عددا من شباب القرية الذين حاولوا ثنيه عن تحطيم الرواق. محصلة "غزوة رواق العيد" كانت مشادة كلامية بين الإمام وبين الأهالي، ومغادرة البعض مع نسائه دون أداء الصلاة.
بصراحة أشفق على الجهة المسؤولة، وهي في هذه الحالة، وزارة الشؤون الإسلامية. لماذا؟ لأن الوزارة مازالت بصدد التحقيق مع نحو 100 خطيب جمعة مفحط آخر، لعدم التزامهم بتخصيص خطبة الجمعة لتجريم أحداث الإرهاب التي شهدها منفذ الوديعة الحدودي في شرورة خلال شهر رمضان المبارك.
أتفق تماماً مع الوزارة أنه لا يجب أن يكون هناك مجاملة لأئمة المساجد والخطباء الذين يخالفون ما يخص قضايا الأمن الفكري والإرهاب، ولكني أعتقد أن العقوبات بحق الخطباء "المفحطين" بلفت النظر ثم إيقاف مؤقت ثم إيقاف المكافأة المخصصة ثم طي القيد في حال رأت اللجنة عدم تجاوب الخطباء غير كافية.
وكما هو الحال في "غزوة رواق العيد" في جازان، لم تَسْلَمْ المرأة من أذى وتفحيط إمام وخطيب جامع كبير في جدة رفض دخول المرأة لانتخابات الغرف التجارية. يأتي هذا التفحيط – حسب رأي فضيلة الخطيب - من منطلق سد الباب الذي تدخل منه ريح التغريب للمجتمع، وأن إجتماع المال والنساء بغير هدى شرعي يؤدي إلى فساد وميل المجتمع عن الصراط المستقيم، وكذلك دفع المرأة للمشاركة في مجالات الحياة دون تمييز بين طبيعتها وطبيعة الرجل. لا أعلم لماذا يقحم هؤلاء مصطلح "التغريب" في كل شاردة وواردة بسبب وبدون سبب!
لاشك أن المرأة هي الشغل الشاغل لمفحطي الغلو والتشدد ليس فقط في "غزوة رواق العيد" في جازان و "غزوة انتخابات غرفة جدة"، بل أن عنصرية التفحيط متألقة أيضاً في تبوك. فقد وصف خطيب مفحط وإمام مسجدٍ في خطبة الجمعة هناك مديرة إحدى المدارس الثانوية بأنها "سفيهة السفيهات"، لأنها طبقت برنامج "كوني أميرة" الذي أقرته وزارة التربية والتعليم. البرنامج يهدف إلى رفع مستوى الذوق العام ومعرفة تفاصيل التعامل مع المواقف السلوكية، ويعكس الصورة الإيجابية للفتاة المسلمة وفن التعامل، وفن الهدايا وآداب المائدة. كالعادة، تم التحقيق "الناعم" مع الخطيب وتم إيقافه عن الخطابة، نقطة في آخر السطر!
من حالات تفحيط الخطباء الأخرى، دعاء خطيب وإمام مسجد بحي النهضة في الرياض على عبدالفتاح السيسي – عندما كان وزيراً للدفاع - بقوله: "اللهم اجتث بشار والسيسي". بغض النظر عن وجهات النظر، أتعاطف مع الاخوة المصريين الذين أثار الخطيب المفحط حفيظتهم فتعالت أصواتهم برفض مادعا به قبل ختم خطبته العصماء. غزوة "مسجد حي النهضة" نتج عنها مقاطعة الخطيب وبدء شجار وعراك وتشابك بالأيدي داخل المسجد لم يكن لها أي مبررات.
مرة أخرى، بغض النظر عن حيثيات الواقعة، أعتقد أنه يجب إيقاف الإمام المفحط عن العمل والتحقيق معه بسبب تسييس خطبة الجمعة. أعتقد أن وظيفة الخطيب – كما أوضح أحد المشايخ - هي لمّ الشمل، وعدم الدخول في الأمور التي قد لا يدرك غاياتها ومنتهاها. لايجب السماح أو التغاضي عن إيصال الخلافات السياسية إلى منابر المساجد؛ وظيفة الخطيب ليست التفحيط الأيدولوجي المقيت بل توحيد المسلمين والابتعاد عما يثير الفتن والشبهات.
ربما أن هذه فرصة مواتية لأشيد بموقف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إياد أمين مدني، الذي ندد بإزهاق أرواح ما لا يقل عن 60 شخصا، وتدمير الكنائس يوم 29 يونيو 2014 في أعقاب الهجمات التي طالت أربع قرى على الأقل بالقرب من شيبوك في شمال شرق نيجيريا على أيدي مجموعة إرهابية.
بصراحة أستغرب عدم قيام كثير من الأئمة والخطباء بإتخاذ موقف مماثل لموقف إياد مدني. كنت أتمنى أن يتحفنا هؤلاء الخطباء الذين فحطوا في مصلى العيد المخصص للنساء، أو الذين امتنعوا عن إدانة الاعتداء الارهابي في شرورة، أو الذين عبروا عن موقفهم المؤيد للإخوان الارهابيين علناً في المساجد – كنت أتمنى أن يدينوا الأعمال الاجرامية لبوكو حرام في نيجيريا و ما يسمى "دولة الخلافة الاسلامية" في العراق والشام على انتهاكاتهم لأماكن العبادة والتعدي على المسيحيين.
موقف خطباء المساجد يجب أن يكون مناهضاً للإرهاب والتطرف بجميع أشكاله وتجلياته، وليس محرضاً على التفرقة والكراهية والبغضاء والعنصرية.

No comments: