July 23, 2014

إلا القضاء

إلا القضاء
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
23 يوليو 2014

قرار المجلس الأعلى للقضاء رفع الحصانة وكف اليد عن ثلاثة قضاة؛ ثبت تورطهم في شبهة استخراج صكوك بطرق غير قانونية، بلغ إجمالي مساحاتها 400 مليون متر مربع، موزعة على 6 مدن ساحلية، لصالح رجال أعمال وهوامير عقارات، خطوة في الطريق الصحيح، ولكنها غير كافية. المفروض البدء في استجواب القضاة المتهمين ومحاكمتهم، هم ومن وراءهم.
المفترض أن هؤلاء القضاة درسوا بتعمق أحكام الجنايات وقواعدها في الشريعة والقانون، ولكن ما شد انتباهي أن التقارير كشفت أن القضاة المتهمين أدينوا سابقاً في تهم تزوير صكوك أخرى بطرق غير شرعية (هل هناك تزوير صكوك بطرق شرعية؟)
قد يجادل البعض أن هذه حالات فردية.. إذا كان الأمر كذلك، ماذا عن رصد وزارة العدل صكوكا بمساحات شاسعة جداً متعددة المواقع في مدينة الرياض، تم استخراجها بطريقة غير نظامية تجاوزت مساحتها نصف المليار متر مربع من الأراضي، وقيمتها حوالي 400 مليار ريال؟
سأفترض جدلاً أن هذه أيضاً حالة فردية، هل أتاكُم حديث كتاب الضبط الذين تعاملوا مع القاضي المتهم بتزوير 44 صكا في إحدى المناطق، والذين أدلوا بشهادات تشير إلى خطته المُحْكَمَة للاستيلاء على أراض حكومية، فضلا عن تسلمه رشاوى تقارب المليون ريال لإنجاز معاملات رسمية؟ من ضمن الأطراف الذين تعاونوا مع القاضي المتهم، رئيس كتابة عدل سابق وعدد من كتاب العدل وجهت لهم تهم التزوير والرشوة والتكسب من الوظيفة، وسوء استعمال السلطة، والعبث بالأنظمة والتعليمات.
هذا ليس كل شيء، فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل طمس وإعادة كتابة بيانات في المعاملات التي تم حصرها وتحريرها في مكتب القاضي المتهم بقصد تضليل المحكمة، إضافة لتصوير بطاقات مواطنين من مراجعي المحكمة واستخدامهم دون علمهم، كشهود أو مزكين أو مشترين لصكوك مزورة.
بالمناسبة هذا ليس قاضٍيا عاديا، بل شغل فضيلته منصب رئيس مساعد لإحدى المحاكم في إحدى المناطق. المدعي العام قدم 180 دليلاً وقرينة عليه (على القاضي المتهم) من بينها اعترافاته المصدّق عليها شرعاً بتورطه في الجرائم المنسوبة إليه، بتزوير الصكوك، والتلاعب في أحكام واستغلال وظيفته لمصلحته الشخصية، والعبث بالأنظمة والتعليمات، وتلقيه رشاوى ومبالغ للحكم لصالح مواطن ضد إحدى الوزارات مقابل مبالغ مالية.
لعل هذه فرصة لأطالب وزارة العدل السعودية بتعيين مساعدين قضائيين شرعيين وقانونيين يبحثون في القضايا ويعدونها للقضاة ويرافقوهم على المنصة، كما هو الوضع في كل بلاد العالم، مما قد يحد من بعض التصرفات “الفردية” الشاذة.
حتى لا يكون هذا المقال جاداً وجافاً دعوني أذَكّركم بقضية “فردية” أخرى عُرِفَ بطلها بقاضي “الجنّي” في المدينة المنورة، والذي وجهت إليه (أي للقاضي) 11 تهمة منها الاستيلاء على أموال طائلة تصل إلى أكثر من 590 مليون ريال، إضافة لاتهامات أخرى بالرشوة والتزوير واستغلال النفوذ الوظيفي. لم يعمل هذا القاضي مع «الجنّي» منفردين، بل تعاون معهما أكثر من 30 شخصاً متهماً، بينهم موظفون في أقسام هيئة الخبراء والنظر والسجلات في مكتب القاضي بالمحكمة. هؤلاء ليسوا كل أطراف القضية. هناك أيضاً راقٍ شرعي روى لوسائل الإعلام استنطاقه «للجنّي» الملعون الذي تلبّس القاضي المسكين. الراقي أكد أن (الجنّي) تكلم على لسان القاضي وسرد الكثير من التفاصيل، أشك أن يكون من ضمنها اسم شخصية هامة، أو رقم حساب في أحد البنوك السويسرية.
لعلي أذكركم بحالة “فردية” أخرى وهي ثبوت تورط 4 قضاة وعدد من كتاب العدل في شهر مارس من هذا العام في تزوير صكوك أراض بمقابل مادي بمنطقتي الرياض ومكة المكرمة. بما أن هذه القضية- مثل جميع حالات النصب والتزوير والاحتيال- حالات فردية، فقد أصدر المجلس الأعلى للقضاء عدة قرارات من ضمنها طي قيد هؤلاء القضاة الذين ثبتت عليهم الأدلة الدامغة.
للإنصاف والمصداقية، لا بد من التنويه بجهود وزارة العدل السعودية ولو أنها متأخرة وخجولة. من ضمن الجهود الأخيرة للوزارة اعتماد نظام إلكتروني عَمّمَته إدارة تقنية المعلومات لحسابات الملكيات العقارية. ولكن حتى هنا، لا يزال بعض القضاة يصرون على عدم الاعتراف بأساليب التقنية الحديثة، ويستخدمون “القيراط” في حسابات الملكيات والصكوك العقارية.
أستغفر الله العظيم، لا أدّعي أو ألَمّحُ إلى أن الوسائل القديمة تشجع على التلاعب في الصكوك، ولكن أساليب التقنية الحديثة تحد من إمكانية تزوير الأوراق الرسمية.
في الوقت الذي تخطط فيه إحدى الدول الخليجية المجاورة لإطلاق مسبار فضائي للمريخ خلال السنوات القليلة القادمة، مازال بعض القضاة ضد “إطلاق” أبسط وسائل التقنية في معاملاتهم الرسمية اليومية للحد من الإخلال بالمقتضيات الشرعية أو النظامية، والقضاء على الاختلاسات الفلكية.

http://www.alarab.co.uk/?id=28644

No comments: