July 2, 2014

الوطن لا يُحْكَمُ بالفتوى بل بالقانون

الوطن لا يُحْكَمُ بالفتوى بل بالقانون
عبدالله العلمي
العرب اللندنية
2 يوليو 2014

هل الفتاوى الصادرة من أشخاص أو مؤسسات- مع الاحترام للجميع- ملزمة للمجتمع حتى بدون نص قانوني من رئيس الدولة؟ سأذكر أمثلة لآراء من الطرفين قبل أن أختم بالإجابة على السؤال.
يعتقد المتخصصون الوسطيون في علوم الشريعة أن إلزام الناس بالفتاوى إشكالية اجتهادية إلا إذا كان التحريم مجمعاً عليه شرعا، فيصبح ملزماً على ولي الأمر. ولكن بما أن أكثر من 90 بالمئة من المسائل الفقهية غير مجمع عليها، فهي محل خلاف ولا يجوز إجبار المجتمع بها.
رغم أن معظم علماء السعودية كانوا يرون في السابق أن السفر إلى الخارج وخاصة لبلاد غير المسلمين أمر محرم إلا لحاجة أو ضرورة، إلّا أن هذا الرأي بدأ ينحسر حالياً وتراجع بصورة كبيرة. لا نكاد نسمع اليوم من يحرم السفر إلا أفراد قليلون جدا ممن ينسبون أنفسهم للعلم، وليسوا من العلماء المتخصصين في المسائل الفقهية.
بإختصار، يخفف بعض العلماء من التشدد في تحريم السفر بالتأكيد على أنه مباح في الأصل، إلا أنه مرتبط بما يحققه من مصالح دينية ودنيوية، مثل أن يكون لطلب الرزق وتحصيل المعيشة.
أما الذين لا يرون في الدين إلا قطعيات يقينية في التحريم، فقد أصدروا فتاوى متشددة تضيق على الصغير والكبير. من فتاوى السفر والسياحة المثيرة للاستغراب تأكيد داعية يمني أن زيارة الأهرامات في مصر حرام شرعاً، وتعتبر من البدع الشركية وتشبيه ببعض المرتدين عن الإسلام. أما إمام وخطيب مسجد كبير معروف في الرياض فقد أفتى أن «السفر إلى بلاد الكفار محّرم نهائيا»، إلا في حال الضرورة وبشروط مرتبطة بالشبهات والحصانة والشهوات. يبدو أن الشيخ اعتمد في هذا التحريم على فتوى قديمة للجنة الإفتاء بعدم جواز السفر إلى «بلاد الكفر والدول الإباحية لما فيه من الفتن والشرور ومخالطة الكفار ومشاهدة المنكرات.»
أجد صعوبة في استيعاب تسمية البعض للبلاد الأجنبية بأنها بلاد الكفر والإباحية. للأسف، ﺧﻠط بعض العلماء أﺣﻛﺎم الدﯾن الإسلامي الحنيف ﺑﺎﻟﻌﺎدات واﻟﺗﻘﺎﻟﯾد، فاتخذوا الكثير من التوسع في جانب الاحتياط وسد الذرائع والتضييق على الناس بمنع الكثير من المباح. بالتالي، منع بعض المتشددين الكثير ﻣن اﻟﻣﺑﺎﺣﺎت منطقياً ﺑﺣﺟﺔ ﺳد اﻟذرائع.
حتى الشكليات اختلفنا عليها، فبينما أكد المفتي الأسبق في مصر الشيخ محمد أبو زهرة أن إعفاء اللحية من العادات وليس من العبادات، احتد النقاش لفترات طويلة حول إلزام إعفاء اللحية وتقصير الثوب مقرونة بعدم لبس (العقال) على الرأس كمظهر التدين والالتزام والورع والزهد والتقوى.
الخطوة التالية هي الانتقال من الشكل إلى المضمون في الترفع عن الحوار الهادئ وحجب اﻵراء اﻟﺗﻲ ﺗﺧﺎﻟف اﻟﻘول اﻟﺳﺎﺋد، فارتفعت وتيرة ظاهرة اﻟﺗﻛﻔﯾر وقضايا المرأة والفتن والاختلاط واﻟﺗوﺳﻊ فيها واﻟﺗﺷدد ﺣولها، بدون مراعاة اﻟواﻗﻊ وﺣﺎﺟﺔ اﻟﻧﺎس للخطاب الديني الهادئ. الأمثلة المتناقضة كثيرة، ومنها فتوى تحريم عمل المرأة كاشيرة في مكان عام وآمن، ولكن لا مانع من أن تعمل بائعة على أرصفة الشوارع تحت لهيب الشمس بدون ترخيص أو تدريب. عمل المرأة من أجل الرزق ليس فيه تحريم، وهو أفضل لها من أن تمد يدها للمارة.
هنا أيضاً، يعتمد البعض على الصوت الواحد للرأي الواحد والمنتمي ﻟﻣدرﺳﺔ متشنجة واﺣدة، من خالفها فهو ليبرالي ملحد وزنديق وكافر.
قس على ذلك مسألة كشف المرأة لوجهها سواء بالمنع أو التحريم المطلق، وفتاوى إباحة دم الأجانب، أو إخراجهم من جزيرة العرب. آخر الفتاوى التي صدرت مع حلول شهر رمضان المبارك من أحد أعضاء الجمعية الفقهية السعودية تحريم لعب البلياردو عبر الإنترنت مع الجنس الآخر لأنه «يفضي إلى إنشاء علاقات محرمة». هذه تشبه إلى حد كبير فتوى تحريم استعمال المرأة للأنترنت إلا بمحرم. كذلك من الأحداث الأخيرة غير المسؤولة إزالة شاشات التلفزيون في إحدى الحدائق العامة في الطائف أثناء عرض مباريات كأس العالم بحجة أنها تدعو للاختلاط.
عودة لفتاوى السفر؛ يُحَرِّم بعض العلماء السفر للسياحة، ولكنهم في نفس الوقت يطلقون الفتاوى التحريضية لدفع أبنائنا للسفر للجهاد وقتل الآخرين خارج الوطن في بلاد الدمار وما نتج عنها داخلياً من ويلات وكوارث اجتماعية وأمنية.
الفتوى ليست ملزمة لأحد سواء كانت صادرة من اللجنة الدائمة أو غيرها فردية أو جماعية، لأن هذه القضايا من صميم عمل الأجهزة التشريعية التي تنظم أمور الدولة والمجتمع والملزم هو حكم ولي الأمر. ليس هذا فحسب، بل أن التشدد في الفتاوى يتناقض مع دعوات السعودية للإسلام الوسطي وللحوار بين جميع أتباع الحضارات والأديان.
باختصار، الوطن لا يُحْكَم بالفتوى بل بالقانون.

http://www.alarab.co.uk/?id=26779

No comments: