June 11, 2014

صيفنا غير

صيفنا غير

عبدالله العلمي
صحيفة "العرب" اللندنية
11 يونيو 2014

بداية لابد من توجيه الشكر والتقدير للعاملين في مجال السياحة الداخلية للجهود التي يقومون بها لإنجاح موسم السياحة في السعودية. ولكنّ يدا واحدة لا تصفق وحسن النوايا وحده لا يحقق الأهداف.
يمكن اختصار السياحة في كلمتين: خدمات ومرافق. في مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية يوجد أكثر من ألفي متحف، بينما لا يوجد في العاصمة الرياض إلا متحفان! 
دور السينما والمسارح والمتاحف من المرافق التي يسافر لأجلها السعوديون مئات الأميال لعدم توافرها هنا. أما إذا توافرت، فلدينا من يحاربها ويحاول منعها لأنها “من المنكرات”. المدهش أن نقرأ عن إنشاء مشاريع سياحية وتراثية في المملكة بأكثر من سبعة مليارات ريال، أي أكثر من ميزانية تطوير السلك القضائي بأكمله، ماذا كانت النتيجة؟ أكثر من مليون مسافر عبروا جسر البحرين خلال الأسبوعين الماضيين.
التاريخ يعيد نفسه؛ تَجَمُّعْ المحتسبين أمام مركز الملك فهد الثقافي في أبها لمنع عرض الفيلم السعودي “هيفاء”، واقتحام محتسبين آخرين للمعرض التشكيلي في جدة ظاهرة سلبية لا تساعد على قيام بيئة سياحية داخلية سليمة. الغزوات والمطاردات التي تقوم بها فرق الاحتساب تقضي على آخر أمل أن يكون لدينا فرح أو بهجة أو سياحة داخلية. التضييق على الناس والوصاية عليهم تتنافى مع حرص هيئة السياحة على إقامة صناعة سياحية حديثة في السعودية.
لم تتوقف غزوات المحتسبين على المهرجانات الثقافية، وربما أشهرها إيقاف الأمن لمجموعة من المحتسبين بسبب محاولتهم اقتحام المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية. تبرير الغزوة هذه المرة هو “إيقاف المخالفات الدينية التي تقع في المهرجان”. الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف الشيخ عبداللطيف آل الشيخ أكد أن ما حدث من تصرفات غير حكيمة من بعض الأشخاص ليسوا من منسوبي الهيئة، وأنهم قاموا بها من تلقاء أنفسهم ولا علاقة للهيئة بهم. النأي بالنفس عن التصرف السيئ والمنفرد للمحتسبين بادرة جيدة، ولكنها غير كافية لردعهم عن مضايقة خلق الله. سارقوا الهناء والسعادة صنعوا واقعا يحرض على الحزن الدائم والكآبة الأبدية، لمجرد أنهم لا يعترفون بحقك في الفرح والبهجة.
مواقع اليوتيوب حافلة بمشاهد المحتسبين وهم يحطمون الآلات الموسيقية بوحشية أمام الجمهور لأن الموسيقى من المنكرات!
أما المفاجأة الكبرى هذا الصيف، فهي كشف عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للدعوة والاحتساب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ محمد بن أحمد الفيفي، أن واقع أغلب التسجيلات الإسلامية يخضع لسيطرة الإنتاج الحزبي. بمعنى آخر، هناك من سيعتني بشباب الوطن و”يُرَفِه” عنهم هذا الصيف بآهات قتالية وتأوهات “استشهادية” ممزوجة بأصوات طلقات الرصاص والرشاشات الإرهابية.
حتى الملتقيات الثقافية التي تسعى الأمم المتقدمة إلى إحيائها في فصل الصيف، أصبحت في خبر كان بعد أن تسبب عدد من المحتسبين في إلغاء “الملتقى الثقافي” في نادي الرياض الأدبي الذي يشرف عليه سعد البازعي وسارة الرشيدان.
طيب، بما أن زيارة الآثار تغريب، والملتقيات الثقافية ممنوعة، والموسيقى من المنكرات، ربما علينا التركيز على الرياضة حتى لا يقع شباب الوطن فريسة للفراغ والإرهاب. ولكن حتى رياضة البنات نالت نصيبها من الإقصاء؛ كلنا يتذكر السؤال العبقري الذي أثاره أحد المحتسبين “أين ستخلع البنات ملابسهن في المدرسة؟”.
الصورة ليست قاتمة كليا، فقد عادت قرية الفاو إلى الواجهة الإعلامية حين بدأت هيئة السياحة السعودية بتحويلها إلى مقصد حضاري للسياحة. أتمنى أن تعتني الهيئة بهذا الموقع الأثري الذي يعود إلى أكثر من 2400 سنة، ولعلنا ننجح هذه المرة في تأهيل الفاو لتصبح على قائمة المواقع التاريخية الأثرية على مستوى العالم. المهم البدء بالمهمة قبل صدور فتوى بإقامة الشبوك ومنع زيارة الموقع، وما قد يتبع ذلك من تجمع وتظاهر أمام مقر الديوان الملكي للمحتسبين سعيا للقاء المسؤولين بهدف المطالبة بوقف خطوات “التغريب السياحي”.
السياحة ليست ترفا، بل صناعة واقتصادا وتتطلب وضع أهداف جادة واستراتيجيات منفتحة ومرنة. الوطن في حاجة إلى التجمعات والمهرجانات العائلية والشبابية، المجتمع يحتاج إلى الترفيه والترويح عن النفس ولكن ضعف البرامج السياحية وافتقارها للتنوع والمرونة لن يحفز المواطن أو الزائر على الاستمتاع بإجازة هادئة على أرض الوطن. النتيجة هي النزوح الجماعي للخارج كما يحصل كل عام. نمتلك من التاريخ والتراث والفنون والآثار والحضارة ما يجعل السياحة الداخلية قادرة على تغيير تلك الصورة وتقديم ما هو أفضل منها بكثير.

http://www.alarab.co.uk/?id=24955


No comments: