June 4, 2014

المتشددون الجدد

المتشددون الجدد
عبدالله العلمي
صحيفة "العرب" اللندنية
4 يونيو 2014

الاختلاف في الرأي يثري النقاش، ولكن التشدُد من أي من الأطراف لا يساعد على تأسيس أرضية موضوعية للحوار. سأطرح هنا عدة قضايا اجتماعية تمت مناقشتها في مجلس الشورى وشهدت حالات مستعصية من الشد والجذب.
القضية الأولى مشروع المطالبة بإشراك المرأة في انتخابات المجالس البلدية التي تقدم بها عضو مجلس الشورى السابق عبدالرحمن العناد. اعترض المتشددون، أحد أعضاء المجلس البلدي انتقد التعامل مع المرأة كمرشحة لأنه «أمر خطير لا يقبله المجتمع في ظل تحريم الاختلاط، فإن أطلق العنان لها في الاختلاط فهذا مخالف للشرع». لم يأبه المجلس للتيار المتشدد وأقر التوصية بمشاركة المرأة بوصفها «ناخبة» فقط بموافقة 81 صوتاً مقابل 37 صوتا معارضا. ثم جاءت القرارات الملكية قوية وواضحة ومنحت المرأة حق الترشح كعضو وأيضا كناخبة في المجالس البلدية في الدورة المقبلة.
القضية الثانية التوصية التي قدمتها عضوات مجلس الشورى لطيفة الشعلان وهيا المنيع ومنى مشيط بشأن قيادة المرأة السيارة وتضمنت بحثا مدعوما بدراسات اقتصادية واجتماعية وآراء شرعية. هنا أيضا اعترض المتشددون؛ المتحدث الرسمي للمجلس صرح بأن الموضوع «حساس» ويحتاج إلى معلومات موثوقة، ثم تعرضت عضوات الشورى لضغوط لسحب التوصية إلا أنهن رفضن سحبها. تم إرجاء التوصية إلى حين إعادة تشكيل لجان المجلس، وتحديد اللجنة الأنسب للتوصية غير “النقل والاتصالات” التي تنصلت منها؛ بمعنى آخر إعادة الموضوع إلى الثلاجة. السؤال الملح: لماذا يهاب المتشددون التغيير مع أن التغيير هو للأفضل؟
القضية الثالثة توصية مجلس الشورى بدراسة تغيير العطلة الأسبوعية إلى يومي الجمعة والسبت والتي طرحها عضو المجلس سعود الشمري. التوصية تؤكد أن التغيير يدفع عجلة الاقتصاد السعودي ويدعم التعاون الاقتصادي ويقلص المسافات مع الدول التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وتجارية. الدول المتقدمة تشكل أكثر من 90 بالمئة من قوة الاقتصاد العالمي وهذه الدول تأخذ إجازتها الأسبوعية يومي السبت والأحد، أي أننا كنا نخسر اقتصاديا وتجاريا وبنكياً أربعة أيام أسبوعياً. أدلى المتشددون بدلوهم بعدم جواز مشاركة اليهود في إجازة يوم السبت والحفاظ على خصوصية المملكة. التوصية حظيت بموافقة أغلبية ساحقة في المجلس؛ 83 عضوا، مقابل 41 رفضوه. فضيلة المتشددين، عندما ناقش المجتمع تعديل العطلة الأسبوعية خوفتمونا باسم الدين فهل تغير شيء في ديننا؟
القضية الرابعة هي توصية الدكتورة أمل الشامان لإدراج رياضة الطالبات في مدارس البنات بعد 11 عاما من بدء مناقشة الموضوع. اعترض المتشددون على المشروع التغريبي الخطير، ولكن بعد جلسة طويلة، وافق 92 عضوا فيما سجل 18 عضوا آخرين اعتراضهم على التوصية. في النهاية لا يصح إلا الصحيح؛ الشورى وافق على التوصية لــ«دراسة» إضافة برامج اللياقة البدنية والصحية للبنات بما يتوافق مع طبيعتهن وفق الضوابط الشرعية. في رد فعل على قرار مجلس الشورى، وصف عضو هيئة كبار العلماء الشيخ صالح اللحيدان إدراج التربية البدنية للطالبات بأنه “كبيرة من الكبائر!” مجلس الشورى عقب بتأكيده أنه غير معني بفتوى اللحيدان، فالمجلس قد صوّت على المشروع وأقره بغالبية أعضائه.
القضية الخامسة توصية نظام التحرش الذي تقدم بها القاضي وعضو مجلس الشورى الدكتور ناصر بن داود. استنفر عدد من أعضاء الشورى المتشددين جهودهم ضد نظام التحـرش وكتبـوا لرئيس المجلس وللأعضـاء يطالبـون بسحب وعـدم عـرض المشروع للتصويت. أحد المعترضين على نظام منع التحرش من خارج المجلس أفتى علانية ضمن وعظ ديني أن قانون منع التحرش هو قانون لحماية الدعارة! لم يأبه المجلس لتنظير المتشددين وشكل لجنة خاصة لإعداد نظام يحمي من التحرش تضم قانونيا حقوقيا، وقاضيا، وأكاديميا، وسيدتين، ووكيلا سابقا في وزارة الشؤون الاجتماعية.
القضية السادسة توصية تقدم بها عوض الأسمري لتوظيف المرأة في هيئة المساحة الجيولوجية. أثارت هذه التوصية جدلا بين أعضاء مجلس الشورى، واعتبر أحد المعارضين أنه “لا حاجة إلى المرأة في هذه الجهة، لأن طبيعة العمل فيها لا تقدم خدمات ذات علاقة بالمرأة” هل تم تفويض العضو المحترم من قبل 8 ملايين امرأة سعودية أو نيابة عن هيئة المساحة الجيولوجية؟ لماذا التوجس من عمل المرأة؟ ولكن رغم هذا الجدل العقيم، تم إقرار التوصية بغالبية 84 عضوا موافقا، ورفض 36 عضوا. هذه ليست أول مرة يحارب فيها المتشددون توظيف المرأة، فكل خطوة في هذا الطريق مزروعة بالشك والشوك بدءا من عمل الكاشيرات ومرورا بتوظيف 65 ألف سعودية في 13 ألف محل للمستلزمات النسائية وقريبا في الصيدليات.
أعلم أن مجلس الشورى يتحاشى التصادم مع ردود أفعال من داخل المجلس وخارجه وخاصة بكل شيء يتعلق بالمرأة. الاختلاف في الرأي أكبر امتحان للرأي العام للتوصل إلى حل التحديات الاجتماعية بالطرق السلمية والأخذ بالعلم والمفاهيم الحديثة. الاعتراض لمجرد الاعتراض قد يفتح ثغرات لا حصر لها، حان الوقت للقبول بالحقائق المبنية على الأدلة والبراهين، والكف عن تحريض المجتمع على العودة إلى الجاهلية.

http://www.alarab.co.uk/?id=24393

No comments: