May 7, 2014

من اختطف 'محمد' إلى سوريا

من اختطف 'محمد' إلى سوريا
عبدالله العلمي - العرب اللندنية - 7 مايو 2014

تلقى المواطن السعودي محمد رسالة نصية على هاتفه الجوال بصيغة “التهنئة” على انضمامه لإحدى العصابات المسلحة التي تتقاتل في سوريا. الرسالة تقول أنه قد تم اختياره من بين ألوف المتقدمين للدفاع عن الإسلام من هذه الحرب التي أتت على الأخضر واليابس.
الترتيبات الأولية تدعو محمد للسفر إلى لبنان ومنها يتم نقله عبر الناقل الرسمي (حزب الله) إلى مشارف الحرب حيث كُتِبَتْ له الشهادة مقدماً “دفاعاً عن مقدسات الإسلام والمسلمين”.
أما الراعـي الإعلامي للحملـة فهي فضائيات الفتنـة العربيـة والفارسيـة ذات الفضائل الزائفة التي تبـث أناشيـد الاستشهاد وتـوزع صكـوك الغفران لمن ينتمـي إليهـا ويشجع على انتشارهـا بين الشبـاب.
معظمنا شاهد في برنامج “الثامنة” مشهد الأم المكلومة وهي تستقبل ابنها بعد أن زجّ به شيوخ الفتنة في واحدة من أقذر الحروب الأهلية في القرن الحالي.
هذا يؤكد ما قاله شيخ الغفلة لمحمد أن اسمه سيشتهر على مستوى الكون سواء “استشهد” في أرض المعركة مع “المستضعفين”، أو عاد إلى أرض الوطن معززاً مكرماً. يعني في الحالتين ستصبح مشهوراً يا محمد.
لم يكن محمد يعلم أن زجه في هذه “المعركة” العبثية التي يديرها أساطين الحقد والكراهية ما هي إلا لتصفية حسابات قديمة بين أطراف النزاع.
لحظة من فضلكم! هل هذا يعني أن بكاء “أم محمد” التي أرسل مشائخ الفتنة الذين يتاجرون بالدين ابنها الطفل إلى سوق الحرب السورية، كان كله عبثاً؟
شيوخ الفتنة ومن يشجعهم “أبدعوا” في تصنيف أنفسهم إلى مستويات. هناك من التزم بأصابع رابعة، ولكن ما إن صدر القرار الملكي حتى فروا إلى جحورهم وتخلوا عن مبادئهم (ظاهرياً طبعاً) ولكنهم استمروا بإدانة (الانقلاب) مع غيرهم من خفافيش الظلام. القسم الآخر ينفخ في منظومة “الجهاد” في سبيل الله. كلا الطرفين يسعى لتصيّد وتجنيد الأطفال نفسياً وجسدياً لشحنهم إلى بؤر القتال.
لا تخف يا محمد- يقول شيخ الفتنة- فنحن نسعى لتأصيل مفهوم الخلافة الإسلامية، وبضاعتنا “الحلال” تتسلل تحت ظلال القداسة الدينية ولن يجرؤ أحد على أن ينتقد منهجنا “السلفي الجهادي”. لا تيأس يا محمد- يؤكد شيخ الفتنة الآخر- سنوفر لك الحواجز الأساسية لحماية مشروعك الجهادي العظيم، لا تكترث لما يكتبه المثقفون فهم تغريبيون ومنحرفون عن العقيدة، بل كفار وليبراليون وملحدون.
تبدأ الدروس الخصوصية بإقناع المراهق محمد أن العلامة الفارقة في رؤية حور العين هي فرض عين دون حوار أو نقاش. ثم يبدأ غسيل المخ بتسجيلات الشيخ المترزز ببشته الأنيق أمام ملايين متابعيه وهو ينفي تفاصيل مأساة أم محمد مدعياً أنه يتحدث باسم أهل السنة والجماعة. هذا “الشيخ” معذور يا محمد، فحياته المترفة لا تسمح له بالاطلاع على ما يجري على أرض المعركة من وقائع مؤلمة. لماذا؟ لأنه يعتقد أنه لن يثير الشبهات حوله، فهمه الوحيد هو التغرير بك وبأطفال بلدك للانخراط في حروب لا هدف لها ولا رسالة أو راية.
كل هذه التنظيمات المؤدلجة يا محمد تسعى إلى هدف واحد فقط؛ نشر سموم الفتنة في قلوب الشباب بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو المذهبية أو العرقية. لهذا السبب، ستستمع إلى تسجيلات أخرى تهاجم الطوائف والمذاهب، بل وتكفر أهلك وربعك ومجتمعك على حد سواء.
ربما علمت الآن يا محمد، أن هذا “الشيخ” الذي وظفك في جبهة القتال لم يضرب في حياته رصاصة واحدة في حرب أو غزوة، بل أن “الفرقعة” الوحيدة الذي أحدثها ربما صدرت منه أثناء نومه في فراشه الوثير.
مشائخ الغفلة يا محمد يسعون بكلامهم المعسول إلى إرسالك والأطفال الآخرين إلى حمص وحلب لتحارب في معركة ليس لك فيها ناقة أو جمل. النتيجة يا محمد أنك ستحقق أحلامهم السوداء، وبذلك تحقق جهود “صحوة” الرأي الواحد والفكر الواحد أو الجماهيرية السلطوية على أشلائك، بينما هم وأبناؤهم يتمتعون بالنوم في الشاليهات، ويقضون الصيف في المزارع يركبون الحمير ويلوحون بأيديهم وأرجلهم تثبيتاً لصورهم في وسائل التواصل الاجتماعي وهم يُنَظِّرون عن الجهاد.
الجهاد يا محمد ليس مرجع إقامته المزاج والهوى. لا تصدقهم، لابد من إذن ولي الأمر وأن يكون مرجع الجهاد إلى الحجة والدليل من الكتاب والسنة.
هل تعلم يا محمد أين يعمل أو يدرس أبناء شيوخ الفتنة؟ هل تعرف أين سيقضون صيف هذا العام؟ هل تعرف عدد المرات التي استخف فيها الشيخ الأنيق بعقول المسلمين؟ تارة لزيارة القدس، وتارة أخرى لتجاوز القانون وجمع التبرعات لغاية في نفسه، وهو بذلك يعادي مشروع الدولة الإصلاحي النبيل.
أيها الشيخ الأنيق، ما بالك مهتم بأبنائنا؟ أليس الهدف الحقيقي من مشاركتك في التجييش والتحريض في المحاضرات العامة في المساجد والمخيمات الشبابية المفخخة إشاعة الحقد والتفرقة والكراهية والفتنة بين العرب والمسلمين؟
لماذا لا ترسل أحد أبنائك ليحارب بدلاً عنك دفاعاً عن مقدسات المسلمين كما تدعي، أم أنك أنت فقط من يحتكر الحقيقة ولك الحق المُطلق للتحدث باسم الدين؟

http://www.alarab.co.uk/?id=22017

No comments: