April 1, 2014

توصية 'الدغيثر' وعباءة 'السندي'


توصية 'الدغيثر' وعباءة 'السندي'
العرب عبدالله العلمي نُشر في 01/04/2014، العدد: 9515

الجدل البيزنطي الذي أثارته توصية عضو مجلس الشورى موضي الدغيثر والتي طالبت فيها وزارة الشؤون الاجتماعية بإلغاء مشروع “الأسر الصديقة”- لكونه ومن وجهة نظر مقدمة التوصية، لا يمتلك الصورة الشرعية- كانت له تأثيرات عكسية ومستغرِبة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
التوصية باءت بالفشل الذريع وبالأغلبية، ليس فقط لهشاشة تركيبتها الفكرية والإنشائية وفراغ مضمونها من أي منطق أو مسؤولية، ولكن أيضا لتعارض التوصية مع أبسط مبادئ التربية وأبجديات حقوق الإنسان التي تدعو إلى أن ينشأ الطفل في كنف أسرة، سواء كانت طبيعية أم بديلة، تحوطه بالحنان وتشبع احتياجاته العاطفية ويتشرب من خلالها قيم المجتمع وعاداته.
سؤالي باختصار، لماذا الاعتراض على احتضان أبنائنا الأيتام المتبقين في الدور الإيوائية ذات البيئة المصطنعة؟
وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية، عبدالله اليوسف، استبق الأحداث وأكد لإحدى وسائل الإعلام (قبل تقديم التوصية وإسقاطها) أن الوزارة اعتمدت 12 إجراء مشددا في البرنامج وراعت “المحرمية” في مسألة المبيت، باشتراطها أن تكون الاستضافة للمبيت لمن هم دون سن العاشرة وأن البرنامج “حقق الكثير ولا يجب أن ننظر إلى الموضوع من زاوية ضيقة، فمجتمعنا خيّر وليس عبارة عن وحوش”.
بمعنى آخر، لن تكون استضافة الأيتام عشوائية، بل تحددها أطر ومرجعيات وإجراءات لحفظ كرامة اليتيم وصون إنسانيته.
الكاتبة سمر المقـرن أدلت بدلوها وسألت ببراعة ورشاقة قلمهـا: “لماذا الدكتـورة موضي منزعجة من خروج الأيتام من دور الإيواء إلى بيوت يتعلمـون فيها معنى الأسرة، ويمارسون-ولو مؤقتـا- حيـاة الأسرة التي حرمتهم الظروف الكسيحة منها؟”.
مصطلحات “وحوش” التي استعملها وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية، و”الكسيحة” التي أوردتها المقرن في مقالها تدل على الاستغراب المستحق من تقديم مثل هكذا توصية هشة في وقت أثبتت فـيه التجارب أن دمج أبنائنا الأيتام في المجتمع يعوضهم- ولو نسبيا- عن الاحتضان والعيش في جو أسري طبيعي ولو لفترات قصيرة ومحددة. شخصيا، أشجع إتاحة الفرصة للثقات من العوائل للاستفادة من برنامج “الأسرة الصديقة” باستضافـة الأيتـام في منازلها أثناء الإجازات لسد النقص في نواحي النمو التي يفتقدها اليتيـم في الحياة داخل الدور المنغلقة.
ليس لدي أدنى شك في أن برنامج “الأسرة الصديقة” هو من أكثر البرامج الناجحة لخدمة الأيتام وذوي الاحتياجـات الخاصة. حبذا لو استفدنا من هذه البرامج- التي أقرتها الدولة وساندتها قانـونا ونظاما- عوضا عن بث الفرقة بين أطياف المجتمع ونبذ الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وكأنهم حيوانات ضالة يجب الحجر عليها لكي لا تؤذي المجتمع! الهدف من برنامج “الأسرة الصديقة” واضح وصريح؛ فهو يقوم على الإشباع العاطفي ويساهم في تعويض اليتيم عما يفتقده من عواطف ومشاعر عائلية، وهذا في حد ذاته هدف نبيل يجب نشره وتوسيعه ليشمل جميع مناطق المملكة.
لم تكد تمر سويعات على إسقاط مجلس الشورى توصية الدكتورة الدغيثر، حتى احتلت صورة الشورية حياة سندي اهتمام الهاشتاغات المحرّضة ذات النكهة الأيديولوجية البغيضة.
لا أملك معلومـة مـؤكـدة، ولكني لا أستبعـد أن يكون التحريض على فتح وسـم عباءة السندي قد تم التنسيق له من الداخل، أو على الأقل حظي الوسم التحريضي بمسانـدة وتشجيع من الداخل. السـؤال الهام: هل هناك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين إسقاط التوصية الغريبة لموضي الدغيثر، والتحريض العبثي على حياة سندي؟
لم أستغرب ما نقلته إحدى وسائل الإعلام أن حساب مؤسس وسم “العباءة” شارك أيضا في وسم مؤيد لـتنظيمي “جبهة النصرة” و”داعش” المحظورين في السعودية.
أبدع هؤلاء بإلصاق تهمة التغريب بالجامعات معتمدين على حجة “سـد الـذرائع ودرء المفـاسد” دون أي اقتراح بديل منطقي لجلب المصالح. أطالب أن يتـم تطبيـق توجيهات وزارة التربيـة والتعليم بتنفيذ الإجراءات المحددة في الميدان التربوي لتحصين أفكار الطلاب من التطرف، وأن يتم تطبيقها على سائر مرافق الدولـة التشريعية والقضائية لكشف مراوغة الإخـوان وعدوانيـة الإخوانيات. لن تخلَّ هـذه الإجراءات بالحرية الشخصية للمواطن، بقـدر ما تحد مـن الانتماء إلى الجماعات التكفيرية الأيديولوجية أو تأيـيدها ولو ضمنيا.
لدي اقتناع، أنه لو تمت الموافقة على توصية عضو مجلس الشورى بإعادة الأيتام إلى دائرة “العزل” التي عانوا منها لسنوات طويلة، فإننا نكون قد سجلنا فشلنا في دعم قدرات الأيتام بتكوين علاقات اجتماعية صحية والتواصل والاندماج في المجتمع الخارجي.
المحاولة العبثية للتغطية على فشل توصية إلغاء “احتضان الأيتام” بإثارة موضوع عباءة السندي يدل على حالة نفسيـة عقيمة لأن الموضوع هش ولا يحتمل كل هذه الضوضاء.
لماذا كلما اقترب قطارنا من محطة إصلاحية هامة مثل قيادة المرأة أو دراستها أو ابتعاثها أو عملها، فاجأنا منعطف متطرف بكارثـة أيديولوجية يصعب فهم منطقهـا، وتعالت أصوات التهليل والتكبير من أصحـاب وسـم “رابعـة” بقصف الجبهـات بسهام البذاءة والألفـاظ العـدوانية القبيحة؟ لا تخلطوا الأوراق، فمن يفشل في تمرير فكـرة معينة يسعى إلى تشتيت الانتباه بإشغالنا المفرط بخلط المفاهيم في قضية تافهة أخرى لإكمال دورة المتاهة الأبدية.

http://alarab.co.uk/?id=19070

No comments: