January 28, 2014

لماذا لم يذهب العرب إلى دافوس






لماذا لم يذهب العرب إلى دافوس؟
عبدالله العلمي - العرب 28 يناير 2014


سألتني جارتي الصحفية الهولندية “هيلينا” في منتدى دافوس بدهاء واضح عن الوضع الاقتصادي في العالم العربي. فقلت إن جغرافيا ما بين المحيط والخليج تحتفل “بثمرات” الخريف العربي الذي جلب معه الحروب الأهلية وتدهور الاقتصاد والدمار لشعوب المنطقة من أنبار العراق إلى اغتيالات ليبيا مرورا بإخوان مصر وتونس، وداعش سوريا، وانقسام السودان، وحوثيي اليمن. قالت: أعتقد أن السبب هو أنكم مازلتم تعوّلون على تسخير السياسة لتحقيق أهدافكم بينما تتجاهلون تطوير الاقتصاد والصناعة والتعليم وحياة اجتماعية مقبولة لمواطنيكم.
والله يا هيلينا كلامك درر. من يعتقد أن قوتنا الاقتصادية تكمن في تعاطينا الفاشل للسياسة فهو واهم. دعوني أعطيكم مثالا، كيف يمكن لدولة مثل العراق، التي احتلت المرتبة 9 بين أكبر دول العالم في الموارد الطبيعية، أن تنحدر اليوم إلى المرتبة 130 في القوة الاقتصادية؟ لماذا يحتل العراق مركز الصدارة مع كل من الصومال والسودان في معدلات الفساد في أحدث تقرير لمنظمة الشفافية الدولية؟ كيف تحولت ممارستنا لشعائر الدين الحنيف إلى المتاجرة بالشعارات الإسلامية فحرضنا الشباب على «الجهاد المقدس» لهدف واحد هو حور العين بكل وقاحة وانتهازية؟
لم أصب باليأس فقلت: لا تنسي يا هيلينا أن لدينا ربع احتياطي النفط في العالم. أجابت بسرعة وكأنها توقعت التعقيب: “سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان وكوريا الجنوبية تستورد كافة مواردها النفطية ومعظم مواد صناعاتها الأولية، ومع ذلك فهي تحتل مقدمة دول العالم في القوة الاقتصادية العالمية”. طبعا لم أكن في حاجة إلى أن تعطيني مثالا على ما قالته، إذ بلغ مجموع براءات الاختراع المسجلة لكوريا الجنوبية 10 أضعاف مجموع براءات الاختراع لكل الدول العربية مجتمعة.
لم أكن في حاجة إلى سؤال هيلينا عن الوضع الاقتصادي في أوروبا، فإجمالي الناتج المحلي في الاتحاد الأوروبي أكثر من 15 ترليون دولار، أو خمسة أضعاف إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة بما فيها نفطنا وحقول غازنا وثرواتنا المعدنية. لم أكن في حاجة إلى أن تذكرني هيلينا أن إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة يقدر بحوالي 3 ترليونات دولار أو أقل من الناتج المحلي لمدينة صغيرة في الهند أو البرازيل.
سألت هيلينا عن الانطباع في أوروبا عن العالم العربي في بداية هذا العام الجديد، فقالت على استحياء وباعتذار واضح: “في الوطن العربي غَلَبْتُم السياسة على كل أمر آخر، فتأججت الطائفية، وانتشر الفساد، وأطاح العنف بكثير من مقدراتكم وثرواتكم الطبيعية والبشرية”. لم أشك في ما قالته، فسبب نجاح منطقة اليورو في تعزيز قوتها الاقتصادية التنافسية هو وضع قطاعها الخاص على رأس قائمة أولوياتها وتوظيفها لمواطنيها ذكورا وإناثا بمختلف أنشطتها التجارية والصناعية. في الوقت الذي يتم فيه تجييش الشباب العربي لخوض معارك وحروب طائفية وهمية طاحنة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، شجعت أوروبا الشباب للعمل في القطاع الخاص الذي يضمّ أكثر من 50 بالمئة من مجمل اليد العاملة ويَدُّرُ أكثر من 85 بالمئة من إجمالي الدخل المحلي. ماذا كانت النتيجة؟ احتلت أوروبا مكانة متقدمة في المنافسة العالمية في مجال تكاليف العمل دون نطاقات أو ساند أو حافز. نحن يا هيلينا أمة مشغولة بأمور أكثر أهمية من مناقشة المتغيرات الدولية والأزمات الاقتصادية وتأثيرها على المجتمعات والسياسة التي تناقشونها هنا في دافوس. في مصر محاكمة رئيسين، العراق انتقل من احتلال أميركي إلى احتلال آخر فارسي، في لبنان الدماء تنام على الرصيف كل مساء، ياسمين دمشق تحول إلى ثعابين مقنعة، ليبيا وتونس واليمن تحصد “ثمرات” التغيير، وقضية العرب والمسلمين الأبدية منذ 60 عاما في الأدراج المغلقة.
سألتني هيلينا: “ماذا تم بشأن اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية؟ لا تفضحينا يا هيلينا، هل أذكر لها أن الاتفاقية فشلت في تحقيق أدنى مستويات أهدافها التنموية التي وعِدْنا بها، فلم يتم توحيد علاقاتنا التجارية، أو حتى الاستفادة (قص ولصق) من المتغيرات والتجارب العالمية؟
سألتني مرة أخرى: “ماذا تم بشأن الاتحاد الخليجي”؟ يا بنتي قلنا بلاش فضايح، قبل الاتحاد علينا فض النزاع حول الصورة على العملة الموحدة (إن قامت)، والتكامل الاقتصادي والاتفاقية الأمنية وموقع المصرف الخليجي المركزي من ضمن أمور هامة أخرى. باختصار، العوامل المشتركة الوحيدة بين دول مجلس التعاون اليوم هي برياني الدجاج والمرقوق والمطازيز والقرصان والجريش.
في نهاية الحديث، سددت لي هيلينا الضربة القاضية فأخبرتني أن “الهولستين”- وهو اسم الدلع للبقرة الهولندية- تتلقى دعما يصل إلى 6 دولارات يوميا. حسبي الله عليكِ يا هيلينا، هذه ضربة تحت الحزام؛ ألا تعلمين أن أكثر من 40 بالمئة من مواطني الدول العربية يعيشون بأقل من 3 دولارات يوميا؟

No comments: