November 14, 2013

«ازدواجية الانتماء» خطفت «عقول الناشئة» بين الوطنية و«الهوية الدينية»

«الرياض» تنشد وعياً مجتمعياً للحفاظ على «منجز الوحدة» بعيداً عن «التحزبات» و«التصنيفات»

«ازدواجية الانتماء» خطفت «عقول الناشئة» بين الوطنية و«الهوية الدينية»!


وعي المواطن أساس التعامل مع الأفكار المؤدلجة على النت
الرياض، تحقيق- أسمهان الغامدي
    يحاول العديد من أصحاب التوجهات الفكرية والتحزبات السياسية إثبات صحة فكرهم من خلال زرع مفهوم الازدواجية لدى الجيل الناشئ، وخلط مفهوم الهوية الدينية بالوطنية؛ فمن يوافقهم الرأي مسلم، ومن ينتهج لنفسه فكراً خاصاً حيال أي أمر سياسي أو قضية مجتمعية يعد منافقاً؛ مما خلق لدى العديد من المواطنين ازدواجية في المفهوم بين الوطنية والدين، وجعل البعض الآخر متأرجحاً ما بين فكر وحزب وما بين وطن ندين له ونفديه بأنفسنا، إلى جانب ابتداع طائفية تكفيرية هي البذرة الأولى للقاعدة ولمحرضي الفتن وزارعي الضلال؛ تحت خلق مسمى إسلامي وإخواني وسروري وعلماني، وربط الولاء الوطني بالتوجهات الفكرية، وإلغاء معنى المواطنة بهدف الجهاد والنفاق!.
«الرياض» تطرح موضوع ازدواجية الانتماء وممارساتها، وعلى من يقع عاتق تعزيز الوطنية، من خلال اختصاصيين واختصاصيات من مؤسسات دينية ومثقفة وبرلمانية.
هوية تضاد.. وتنوع
بداية رأى القاضي «د.عيسى الغيث» -عضو مجلس الشورى ورئيس مركز الوسطية- أن ازدواجية الانتماء تخضع لنوعين من الهويات؛ فهناك هوية تضاد وهوية تنوع، وهوية التضاد مرفوضة جملة وتفصيلاً، بينما هوية التنوع لا مانع منها، خاصة وأنها غير متناقضة ولا متنافرة، حيث إن الشخص قد يكون له أكثر من هوية تنوع كأن يكون بهوية مسلم وهوية عربي وهوية سعودي وهوية قبلية ومناطقية لا ينافي أي منها الآخر وهو أمر معروف، ولكن الإشكالية تقع فيمن يريد وينكر اجتماع كل تلك الهويات مع تنوعها وعدم تناقضها.
وقال إن هناك من ينفي الهوية الوطنية ويحاربها ويكتفي بالهوية الإسلامية فقط؛ فيكون ولاؤه للخارج وليس للداخل، وهذا تناقض؛ فإذا كانت الهوية الكبرى موجودة فمن باب أولى أن تكون الهوية الصغرى موجودة من باب دلالة التضمن والاقتضاء واللزوم، كما أن هناك من يكون ولاؤه لمن ينتمي لحزبه أو لفكره؛ فيكون المسلم المتوافق معه مذهبياً أو توجهاً في أي بلد على سبيل المثال أقرب إليه من المسلم السعودي الذي يخالفه التوجه، ومن الناحية الحزبية الحركية كأن يكون «الإخواني المصري» أقرب إليه ممن هو غير إخواني سعودي، ويتوجون تلك الاختلافات بالدين الذي ينأى بهم، حيث إن الأقربين أولى بالمعروف، وبالتالي فالولاء للداخل أولى من الولاء للخارج.
وأضاف أن الانتماءات قد تشمل العصبية القبلية؛ فيقول الفرد أنا لا أؤمن بالدوائر الصغيرة العربية والوطنية، وإنما الإسلامية فقط، ثم إذا جاءت القبلية تراه عنصرياً من الطراز الأول؛ مما يجعلنا نقع في شتات وتضاد غير منطقي، حيث يجمعون بين المتناقضات ويبررون لها؛ في حين أنهم يحرمون الجمع بين المتنوعات التي من الطبيعي أن تكون مجتمعة. وأشار إلى أن الجميع له هوية دينية فحتى من لا دين له يملك هوية دينية بأنه لا دين له، ولكن الهوية الدينية لا يجب أن تقتات على الوطنية؛ فكل سعودي مسلم 100%، ولكن هناك اختلافات حزبية وهي موجودة في غالب بلدان العالم، والولاء يكون في الشق السياسي فقط وليس على حساب الوطنية كما هو حاصل في الوقت الحالي بأن الولاء يكون لمن هو ضمن دائرة التحزب، ومن هم خارج الدائرة أعداء يجب محاربتهم!.
صراع بين الإسلام والعروبة
وفيما يتعلق بالهوية الأممية يرى «د.الغيث» أنها من أخطر الهويات على الوطنية، حيث إن البعض يجد ولاءه للأمة الإسلامية فقط، ولا يؤمن بهويته الوطنية وولائه لبلده، معتقدين أن الولاء ليس لحدود الوطن بل للدين، والسبب في ذلك عدم توافق التوجهات الفكرية والطائفية مع الطرف الآخر، وبالتالي تُلغى الوطنية من وجهة نظرهم وهذا غير صحيح، مشيرا إلى أن السعودية من الأمة الإسلامية ومن الأولى الانتماء للبعض قبل الكل، حيث إن هناك تناقضات وقصورا عقليا في مثل هذه الأمور؛ فهم يصنعون صراعاً بين الإسلام والعروبة؛ فيقولون أمة إسلامية، وليست عربية وهذا غير مقبول، فكل أمة عربية هي إسلامية وليس العكس.
وقال: إن الإخوانيين هم من أغرقوا الشعوب في مسألة الأممية الإسلامية، ووصلوا بها إلى الخلافة الإسلامية؛ مما جعل لديهم موقفاً متشنجاً مع القومية العربية والوطنية في حين أنها لو وصلت للمناطقية والقبلية تلاشت هذه الأمور؛ فهم يسعون للخلافة ويحاربون الأوطان التي هي من أساسيات نهوض الخلافة؛ فنحن في محاضننا أصبح لدينا حقن ضد القومية العربية ولكن ليس القومية بذاتها.
وأضاف أنه يجب أن نكون واقعيين، وبما أنني من المؤسسة الدينية ومن التيار الإسلامي من الواجب علي أكثر من غيري أن أتبنى هذا الموضوع، وأن احتسب على بعض من يسمون بالمحتسبين زعموا وهم مجموعة من «البلطجية والسوقية» ممن تلوثت ألسنتهم وأقلامهم بأعراض الناس ظلماً وعدواناً، وأباحوا لأنفسهم الكذب والقذف والفجور، ويخلقون ازدواجية في الانتماء، وذلك بزعمهم من باب الجهاد والاحتساب والدعوة إلى الله -من وجهة نظرهم- ويتخذون الآخرين منافقين ويتعاملون معهم كمشركين ومنافقين وينزلون عليهم آيات المنافقين والمشركين؛ مما يعني جمعهم بين تزكية نفوسهم والطعن في غيرهم، وقد يكون الآخر هو المؤمن وهو المنافق، فالمظاهر والألقاب لا تبرر لهم هذا الكذب والفجور في الخصومة.
منابر التعليم والمساجد مخترقة!
وأكد «د.الغيث» على أن محاربة هؤلاء تتطلب الاهتمام بالتعليم والمنابر الدينية، وللأسف أنها مخترقة لدينا بشكل كبير، وهي تجاوزت التقصير للاختراق؛ فأصبحت تعلم أبناءنا ما يجب أن يتركوه وتلقنهم ما هو ضد الوطنية داخل مناهجنا المكتوبة، فضلاً عن كوادرنا التي تحمل هذا الفكر، حيث يجب أن نواجه هذا بمحاربة أصل المشكلة وهي التنظيمات السرية، لا سيما الإخوانية والسرورية، وجناحهما العسكري ممثلاً بتنظيم القاعدة، إلى جانب القنوات الفضائية والانترنت والمساجد وخطب الجمعة والدروس والمحاضرات التي أصبحت تغذي شبابنا على محاربة الهويات الطبيعية، بل التي ترتكز عليها الهوية الإسلامية، ولا تؤمن بمن يخالف أجندتها وتحزباتها، كما أن الإعلام لدينا فيه تقصير كبير ولم يقم بربع الواجب، حيث إن هناك قنوات خارجية لديها أجندات واستراتجيات تعمل عليها، بينما نحن لا نزال في موقف المتفرجين.
خطاب الهم الأممي
بينما رأت «د.هيا بنت عبدالعزيز المنيع» -عضو مجلس الشورى- أن أخطر ما يمكن أن تعانيه المجتمعات البشرية هي حالة الازدواجية في الانتماء عند أبنائها، خاصة عندما تتأصل في شبابها؛ فحين تبرز حالة الازدواجية في الانتماء هذا يعني حالة ارتخاء وترهل، وربما مرض في الانتماء الوطني.
وقالت:»عند تحليل المشهد المحلي نجد أن بعضاً من شبابنا يعاني من حالة الازدواجية؛ نتيجة خطاب نقلهم من الهم الوطني إلى الهم الأممي، وجزء من تلك الحالة نتيجة ممارسات غير جيدة في المؤسسة التعليمية، حيث نجد الطالب في المدرسة يتغنى بقضايا الأمة العربية والإسلامية، ولا يعنيه الشأن الداخلي، بل يجد مسافة كبيرة تفصله عن المشهد المحلي فهو اعتاد أن تحتوي أناشيده اللاصفية وفي الأنشطة عن خطاب حماسي للقضية الفلسطينية وعودة الوحدة للامة الإسلامية، ولم يجتهد أحد في زرع نفس الحماس ليجد نفسه يتباهى بالوحدة الوطنية، وتلاحم الشرق بالغرب والجنوب بالشمال، والتقائهم بحب وولاء في منطقة الوسط».
وأضافت أن هذا الخطاب والممارسات غير المنغمسة في الوطنية شكّلت بيئة مناسبة لأصحاب بعض حملة الفكر من ذوي الانتماء المزدوج؛ ممن اعتلوا منابر التأثير؛ فحملوا وجدان الكثير من شبابنا، وتحولت بوصلة الانتماء لديهم إلى أفق الأمة وتأخر الانتماء الوطني للخلف، والنتيجة أن بعض هؤلاء الشباب وقعوا ضحايا لفكرة الانتماء للأمة قبل الانتماء للوطن والمنتج البشري، من خلال مجموعة جهاديين في كل أرض، وبقي أصحاب الانتماء المزدوج ينثرون بذورهم في كل أرض.
انتماء مزدوج
وأشارت «د.المنيع» إلى أن إشكالية الانتماء المزدوج أنه يخترق في كثير من مواقفه الوحدة الوطنية، ويعيق الكثير من برامج الإصلاح، حيث قد لا تتقاطع المصالح الوطنية دائماً مع الانتماء الآخر، ولعل ذلك يتضح للمستقرئ في كثير من المواقف، ونحن هنا في السعودية نعاني منه، خاصة وأن البيئة المحيطة بشبابنا تعزز منه، حيث حرص المؤسسة الحكومية على تغليب المصالح العربية والمصالح الإسلامية دائما في مقدمة اهتمامها، بل وأحيانا تبذل مواقف كبيرة لصالح الأمة العربية والإسلامية، ولعل آخرها التخلي عن مقعد في الأمم المتحدة لموقفها المتخاذل تجاه القضايا العربية والإسلامية، وهو تأكيد على تقديمها المصلحة العربية والإسلامية على الشأن الخاص، مؤكدة على أن هذا المنهج خلق بيئة خصبة لمن أراد انتزاع شبابنا من انتمائهم الوطني لانتماء أممي وفق رؤية مؤدلجة تستهدف تحقيق مصالح لا تتفق في أغلبها مع المصلحة الوطنية؛ باعتبار أنها أيضاً تمثّل مصالح جماعات وليست مصالح إسلامية أو عربية.
وقالت:»خطورة هذا الانتماء يكمن في تهديده الأمن الوطني في بعض مواقفه؛ مما يعني معه ضرورة العمل على تكريس قيمة الوطنية أولاّ في وجدان شبابنا من الجنسين، وذلك عبر كثير من البرامج وفق إستراتيجية وطنية محددة الأهداف واضحة البرامج يتولاها رجال ونساء وطنيين مدركين لأهمية خطورة ازدواجية الانتماء وضياع الهوية الوطنية في فكر شبابنا».
ازدواجية انتماء
واستكمل الأستاذ «عبدالله العلمي» -كاتب ومثقف- فكرة الانتماء التي تحدثت عنها «د.هيا المنيع»، موضحاً أن الانتماء ليس تعاون أو تحالف بعض القوى تحت مظلة سياسية أو دينية أو عقائدية، بل هو انسجام جميع هذه القوى بتآلف اجتماعي واحد تحت مظلة الوطن.
وقال إن تعميق مفهوم الوحدة الوطنية المستقلة ينشأ مع تطور الدولة القومية المدنية ويستغرق سنوات عدة لغرسه في الجيل الجديد، مؤكداً على أن للحوار الوطني أثراً بالغاً في تعميق معنى الوطنية، ولكن لهذا الحوار أن يكون فاعلاً وأن يبدأ من سنوات الصغر، من خلال التعليم ومؤسسات المجتمع المدني والتعرف على مقومات الانتماء للوطن بعيداً عن أي مؤثرات دينية أو طائفية، وهذا للأسف غير متواجد كما يجب، مشيراً إلى مقابلة أجرتها معه صحفية أسبانية لمحت فيها -بدهاء صحفي متمرس- أنها لم تحصل على إجابة معينة واحدة عند سؤالها عدداً من السعوديين عن تعريف هويتهم، حيث إن البعض أجاب أنه سعودي، بينما فضل البعض الآخر أن يقول إنه مسلم، والبعض أجاب أنه سعودي ودينه الإسلام، مبيناً أن الأسباب كثيرة وأهمها عدم تأصيل مفهوم الوطنية منذ الصغر.
وأضاف أن التصدي للازدواجيين يعتمد بالدرجة الأولى على تأسيس مفهوم الوحدة الوطنية التي يجب أن تسمو على جميع الانتماءات والولاءات الأخرى؛ فالازدواجية ظاهرة موجودة منذ الأزل، وستستمر إلى ما بعد التاريخ طالما أن هناك قوى معينة ايدولوجية تتمتع بحصانة سياسية؛ فالوحدة القومية مفهوم عميق يتأصل مع نمو الوطن وسيادته على الجميع بدون استثناء بعيداً عن الانقسام المجتمعي.
وأشار إلى أن للتوجهات الفكرية والانقسامات الدينية وغياب القوانين والأنظمة في حق المكفرين لمن يخالف رأيهم دوراً في ازدواجية الانتماء، وأكبر دليل على ذلك الانجراف لأقصى اليسار أو أقصى اليمين لكل طرف يريد إثبات نظريته على المجتمع، مهيباً بالمجتمع أهمية تنمية الانتماء للوطن بعيداً عن الهوية الطائفية أو العنصرية، وبعيداً عن الانتماءات القبلية التي تنهش من الانتماء الوطني.
الوطنية قبل الأممية
ووافقته الرأي «د. دلال الحربي» -عضو مجلس الشورى-، مبينة أن المواطنة هي الانتماء إلى أرض لها حدود واسم، وبالتالي يحمل الإنسان هويتها، ويفترض أن يدافع عنها ويخلص في خدمتها، وفي المقابل يجب أن يتحصّل على كافة الحقوق التي توفر له فرصة الحياة الكريمة في أرضه، وأن تُحترم حقوقه وإنسانيته، كما أن الوطن ضمن دائرة هي دائرة العروبة ودائرة أكبر هي دائرة الإسلام؛ فنحن لا نستطيع أن ننفصل عن هاتين الدائرتين، ولكن في المقابل يُقدم الانتماء إلى الأرض وإلى الوطن بحدوده السياسية المعاصرة.
وقالت:»يجب أن يعي الشباب خاصة والمجتمع عامة أن الولاء للوطن هو الأساس مع الاعتراف بالانتماء الأكبر للعروبة وللإسلام، و يجب أن يكون لهما تقديرهما، وهذا أمر واقع حاصل حالياً»، مشيرة إلى أننا في المملكة تشغلنا أحيانا المشاكل التي تحصل في أي دولة عربية أو إسلامية ويكون لنا دور في أحيان كثيرة في تقديم المساعدات الاقتصادية أو الإسهام في إيجاد حلول سياسية والبعد عن أمور الداخل، مؤكدة على أن هذا النوع من الازدواج بحاجة إلى تضافر جهود كل المؤسسات مع تعزيز مفهوم المواطنة لدى الشباب والطلاب والناشئة في مرحلة مبكرة للتأكيد عليها.

د.عيسى الغيث

عبدالله العلمي

No comments: