December 7, 2012

محطات الوقود.. قنابل موقوتة

محطات الوقود.. قنابل موقوتة

الاقتصادية 7 ديسمبر 2012
عبد الله العلمي

في محافظة فرسان في جازان تباشر فرق الدفاع المدني حادث حريق في محطة وقود تابعة لحرس الحدود. في حي العدامة في الدمام لقي وافد أجنبي مصرعه وأصيب اثنان آخران بعد نشوب حريق في خزان يحتوي على مادة البنزين يغذي محطة وقود. في مثلث الدغارير في محافظة أحد المسارحة في جازان يُستنفر رجال الدفاع المدني للسيطرة على حريق شب في ناقلة بنزين أثناء تفريغ حمولتها في محطة تعبئة البنزين. ألسنة اللهب أتت على أجزاء من الناقلة وامتدت إلى سيارتين كانتا متوقفتين إلى جوار المحطة. في مدينة ساجر قرب الدوادمي اندلع حريق في إحدى محطات وقود الديزل والبنزين.
في بلدة القارة في الأحساء اندلع حريق في مضخة بنزين في محطة وقود خلال إجراء العمالة الصيانة. في حي الربوة في الرياض شب حريق في إحدى مضخات تزويد الوقود الكهربائية نتيجة تحرك سيارة بسرعة بينما خرطوم مضخة (البنزين) ما زال في خزان الوقود. في حي الأشرفية في تبوك اندلع حريق في مضخات بنزين في إحدى المحطات البترولية إثر ارتطام سيارة يقودها شاب بإحدى مضخات المحطة، ما أدى إلى اشتعال النار في المضخة والسيارة. في مركز نمرة في العرضية الشمالية أصيب عاملان في محطة وقود إثر اندلاع النيران في صهريج مملوء بالبنزين وحريق في محطة الوقود. في الخرج تعرضت ناقلة محملة بالمواد البترولية للاشتعال داخل إحدى محطات الوقود بسبب سوء التعامل مع الخرطوش الخاص بالناقلة، ما أدى إلى تسرب الوقود في المحطة واشتعالها على الفور.
هذه المشاهد الواقعية تمثل غيضا من فيض مما يعلن عنه الإعلام بشكل يومي عن تكرار حوادث محطات الوقود. يوجد في السعودية ما يزيد على عشرة آلاف محطة وقود، 88 في المائة منها مملوكة للأفراد، و2 في المائة تمتلكها سبع شركات بينما الـ10 في المائة الباقية مملوكة لكل من وزارة المالية ووزارة الشؤون البلدية والقروية. أجزم أن أكثر من ثلثي هذه المحطات لا يتمتع بأدنى معايير السلامة ناهيك عن سوء الخدمات المساندة مثل دورات المياه البائسة والاستراحات المتصحرة أو الخدمات الغذائية الأخرى مثل المطاعم والبوفيهات البدائية التابعة أو الملاصقة لها. باختصار، الوضع الحالي لمحطات الوقود في السعودية لا يليق بمكانة ووضع المملكة الإقليمي والدولي.
هناك أسباب عدة لتدني مستوى محطات الوقود ومن أهمها عدم وجود البيئة المناسبة للاستثمار في محطات الوقود نتيجة قصور بعض الجهات المشرفة وعدم تنظيم هذا القطاع المهم، إضافة طبعاً إلى عدم تطبيق النظام بشكل حازم وصارم وصريح. بصراحة أستغرب هذا الإهمال غير المنطقي، فعوائد الاستثمار في محطات الوقود تبلغ مليارات الريالات إلا أن هذا الاستثمار لم يجد البنية الأساسية للأنظمة التي تكفل مستويات مقبولة من السلامة أو المضمون أو حتى المظهر.
ما الحلول؟ يجب الاستفادة من الفرص الاستثمارية المؤسسية وتحديد مرجعية الاستثمار في محطات الوقود تضع الآلية التنظيمية المناسبة للارتقاء بالمحطات لتضاهي مثيلاتها في الدول المتقدمة أو حتى المجاورة. لا بد من تطوير هذه المحطات وتحديث خدماتها بما يتلاءم مع وضع المملكة، ليس فقط في المدن، لكن أيضاً على الطرق الدولية والداخلية. لماذا لا نستفيد من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال؟ لن أتحدث عن أمريكا وأوروبا وكوريا، حيث تعمل محطات الوقود وكأنها فنادق خمسة نجوم، لكني أتحدث عن المحطات في الدول المجاورة وهي على مستوى منظم وراق مع توافر جميع الخدمات المساندة وفق معايير حضارية معتمدة حسب أنظمة ولوائح حديثة وصارمة.
بصراحة ألوم الأفراد والشركات والجهات المعنية القائمة على محطات الوقود. أشك أن الأفراد المالكين لمحطات الوقود على علم بالخدمات الاستشارية والفنية والتقنية والهندسية المرتبطة بمجال توزيع البترول واللازمة لبناء وتشغيل وإدارة المحطات. الشركات تجني مئات الملايين ولا تعير اهتماماً لتطوير هذه المنشآت. يجب إلزام أصحاب المحطات بوضع طفايات حريق غير منتهية الصلاحية والتأكد من مواطير الضخ وسلامتها، إضافة إلى الانتباه والحذر أثناء تعبئة خزانات الوقود.
أما الجهات المعنية فهي غائبة في سبات عميق عن وضع لائحة تنظم الاستثمار في محطات الوقود، وإذا وُجدت شروط أساسية في تصريح الاستثمار تُعنى بمستوى الخدمات المرافقه وفق معايير عالية السلامة والجودة فهي قطعاً لا تُطبق. يجب إيجاد نظام رقابي وجزائي من قِبَل الجهات المعنية للنظر في الوضع المزري لمحطات الوقود. ليس هذا فحسب، بل يجب مراقبة ومتابعة المحطات على أرض الواقع ومدى التزام المستثمر بالشروط، إضافة إلى وضع عقوبات صارمة على المخالفين. كيف يتم منح الرخص اللازمة للاستثمار في محطات الوقود وملاكها لا يتبعون الضوابط والشروط المحددة للسلامة ومستوى الخدمات؟
أتفق مع تصريح رياض المالك رئيس اللجنة الوطنية لشركات محطات الوقود في مجلس الغرف السعودية بأنه من غير المقبول أن 90 في المائة من محطات الوقود العاملة في السعودية يديرها أفراد يمتلكون هذه المحطات، بينما 10 في المائة فقط من هذه المحطات تديرها شركات متخصصة في مجال تشغيل وإدارة محطات الوقود. بصراحة أستغرب أن هذا النموذج غير موجود إلا في السعودية، حيث إن جميع محطات الوقود في العالم تديرها شركات فنية متخصصة في مجال تشغيل محطات الوقود، ولديها الخبرة الكافية لتطوير وتحسين مستوى خدمات هذه المحطات.
استمرار أداء محطات الوقود بوضعها الحالي كالقنابل الموقوتة ضار أمنياً واجتماعياً واقتصادياً وسياحياً. الاستثمار الجيد في محطات الوقود سيحقق مكاسب مهمة مثل تشجيع السياحة الداخلية وخلق وظائف جديدة وفتح المجال للمنافسة، إضافة - طبعاً - إلى تفادي وقوع حوادث لا تحمد عقباها.
http://www.aleqt.com/2012/12/07/article_715216.html

No comments: