December 11, 2012

أنصف عقولنا يامعالي رئيس هيئة حقوق الانسان


قرأت بتمعن بيان رئيس هيئة حقوق الانسان الدكتور بندر العيبان في صحيفة "الحياة" الصادرة يوم الاثنين 10 ديسمبر 2012م تحت عنوان "السعودية تطور القضاء بما يحقق العدالة... وتصدر الأنظمة التي تحمي حقوق الإنسان"، وذلك بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 64 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948.
لدي اعتقاد راسخ باهتمام الملك عبدالله ودعمه لحماية حقوق الإنسان في المملكة انطلاقاً من الالتزام الأصيل بتعاليم الشريعة الإسلامية التي دعت لحماية حقوق الإنسان وتوفير كل الضمانات التي تحول دون الاعتداء عليها أو المساس بها. اختصاصات هيئة حقوق الإنسان يامعالي الرئيس لا يجب أن تقتصر على تعزيز الوعي بحقوق الإنسان وتلقي الشكاوى، وزيارة السجون ودور التوقيف، وتعزيز التعاون مع الجهات الحكومية وغير الحكومية من أجل ضمان تحقيق أهدافها كما ذكرت في بيانكم البراق، بل يجب أن تتعداها لتطبيق حماية حقوق الانسان على أرض الواقع.
شد انتباهي إشارة رئيس هيئة حقوق الإنسان إلى "الإنجازات الكبيرة التي تحققت في مجال الحفاظ على حقوق الإنسان في المملكة، ومنها الحقوق الأساسية في التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والعمل والسكن والتي تستحوذ على الجزء الأكبر من ميزانية الدولة في إطار خطة متكاملة لتحقيق النماء والرخاء." إذا كان المقصود الحقوق الأساسية في التعليم فتح أكبر عدد من المدارس فهذا لايعني بالضرورة تحقيق مكاسب حقوقية. فقد خصصت المملكة لهذا العام (2012) أكثر من 168 مليار ريال لتنفق على التعليم وتحقيق أهداف العمليتين التعليمية والتربوية في المملكة ولكني مازالت أبحث عن هذه المليارات لعلي أجد أين وكيف صُرِفَت. للأسف ما وجدته هو مبان متصدعة تشكل خطراً على حياة الطلاب والطالبات، وتفتقر إلى أبسط وسائل التعليم؛ كراسي خشبية رديئة الصنع وانقطاعات في المياه والكهرباء. لا أثر لخطط استراتيجية ولا ملاعب رياضية أو قاعات فنية لممارسة النشاطات، حتى مناهجنا الدراسية في حاجة إلى إعادة ترميم لتحويلها من الحفظ والتلقين إلى الممارسة والتفكير واحترام الذات. باختصار، مازالت أروقة و "أدمغة" بعض مدارسنا تبدو كحراج أثاث قديم.
بيان هيئة حقوق الانسان أشار أيضاً إلى "جهود السعودية في تطوير مرفق القضاء بما يحقق العدالة والمساواة، و إصدار عدد من الأنظمة والقرارات التي تحمي حقوق الإنسان."
استبشرت خيراً عندما تقلد الدكتور محمد العيسى رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إضافة لمسؤولياته كوزير للعدل. ومع احترامي وتقديري لجهود الوزير ومعرفتي الأكيدة أنه يسعى لتطوير النظام القضائي بالمملكة، أجد نفسي ملزماً بسرد بعض الوقائع التي تتنافى مع بيان هيئة حقوق الانسان.
حق التعليم مكفول للجميع رجالاً ونساءً، بل هو حق يشجع عليه الإسلام في القرآن الكريم والسنة المشرفة، ومع ذلك فإن تسجيل المرأة السعودية في أي مرحلة من التعليم مرهون بموافقة كتابية من ولي أمرها. هل هذه التفرقة بين الرجل والمرأة تحقق العدل والمساواة؟
المنطق نفسه ينطبق على الحصول على عمل، هو أيضاً كما ينص نظام العمل السعودي حق مكفول لجميع المواطنين من الجنسين. ولكن الواقع غير ذلك تماماً، إذ ليس بإمكان المرأة السعودية أن تقدم على وظيفة دون إذن من ولي أمرها حتى إن تجاوزت سن الرشد، بل وبإمكان صاحب العمل فصل المرأة وأخواتها وبنات عمها من عملهن إذا تلقى أمراً بذلك من ولي أمرها، فلماذا لا نطبق القوانين التي لا تفرق بين الرجل والمرأة؟
وأما في التجارة وإدارة الأعمال فإن على المرأة ـــ بخلاف ما ينطبق على الرجل ــــ أن تحظى بتوقيع ولي أمرها للتقديم لإصدار ترخيص مهني لمزاولة عملها. طبعاً ينطبق مبدأ التفرقة نفسه بين المرأة وأي رجل آخر في ضرورة تعيينها لوكيل شرعي أو موافقة ولي أمرها لتتمكن من الحصول على أي من التراخيص المهنية التجارية المتعارف عليها، فهل هكذا نحمي حقوق الإنسان وحرياته المشروعة التي تتوافق مع صحيح نظريات وقواعد العدالة الإنسانية؟
العدل والمساواة يامعالي الرئيس لا تعني وجود أنظمة تقوي من تسلط الرجل ''الولي'' على المرأة بحق وبغير حق، فتمادى بعضهم في تسلطهم لدرجة حرمانها من حقها في راتبها ونفقتها وسفرها وحصتها من الميراث وحضانة أطفالها. لا تجد المرأة المطلقة من ينصفها ويحميها من الظلم الواقع عليها نتيجة تسلط ولي أمرها. ألم يحن الوقت لتفعيل ''مدونة الأسرة'' والتسريع بإنشاء المحاكم المتخصصة كالأحوال الشخصية وغيرها؟
العدل والمساواة يامعالي الرئيس هو ترسيخ مبدأ ''سيادة القانون'' وتعزيز استقلال السلطة القضائية وفق أحكام المادة (46) من النظام الأساسي للحكم والمادة الأولى من نظام القضاء وتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع فئات الشعب مع اختلاف نسبهم ومذاهبهم ومواقعهم.
أما إشارة رئيس هيئة حقوق الانسان إلى "دعم حكومة خادم الحرمين الشريفين لفرص مشاركة المرأة في صنع القرار من خلال عضويتها في مجلس الشورى ومجالس البلديات والغرف التجارية وإتاحة الفرصة أمامها لتقلد أعلى المناصب" في مجالات عدة فهو يحتاج للتفصيل.
تذكرت هنا مقولة أليكس مارشال الشهيرة – وهو محرر التقرير الصادر عن الأمم المتحدة "ان المرأة تتوقع تمييزا ضدها من المهد إلى اللحد". أكاد أجزم أن هذه المقولة تنطبق تماماً على المرأة السعودية. طالبنا بتصحيح مفهوم أن المرأة خلقت أساساً من ضلع أعوج، وأن نفهم التفسير الصحيح لكونها "ناقصة عقل ودين". لا بد من سن الإجراءات القانونية الصارمة في التعامل مع التمييز الواضح ضد المرأة بشكل حاسم وواضح وصريح. لا بد من مراجعة شاملة وشفافة لجميع القوانين والأنظمة المتعلقة بحقوق المرأة. لا بد من إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة وحمايتها. من حقوق الانسان أن الولاية على المرأة تنتهي إذا بلغت سن الرشد، وليس بالضرورة لمدى الحياة. إذن القوامة ليست عامة، فليس كل الرجال قوامون على النساء، وإنَّما هي خاصة بشؤون الأسرة، ومشروطة بشرطين أن يكون الرجل أهلاً للقوامة والقدرة على الإنفاق.
من حقوق الانسان أن تغضب المرأة وتعترض عندما لا يطبق الجزاء الاجتماعي للعنف الذي تتعرض له إلى جانب تبريره من قبل رجال القضاء والشرطة وبالتالي حثها - قصراً في معظم الحالات - على التسوية الودية بينها وبين المُعَنِف، سواء كان أبيها أو زوجها. من حقها أن تغضب المرأة وتعترض وحياتها اليومية مثقلة بالتراكمات الثقافية البالية والاجتماعية السلبية والخلط بين العادات الموروثة ونصوص الشريعة الإسلامية.
من حقوق الانسان أن تحصل المرأة على أهليتها الكاملة، وشخصيتها القانونية والاعتبارية التي منحها إياها الإسلام ثم سلبها منها المجتمع. من الطبيعي أن تغضب المرأة عندما تُحرم من أهم حقوقها الشرعية؛ من غير المنطقي أن يشاركها أحد في حقها في راتبها وحصتها من الميراث، ومن غير المنطقي أن يتعرض أحد لخصوصياتها أو التضييق عليها في عملها أو نقابها وقيادتها وسفرها ورياضتها وعلاجها. كذلك من حق المرأة أن تكون لها حرية الموافقة على الزوج الكفء بعيداً عن فرضه عليها بالطرق التقليدية.
معالي رئيس هيئة حقوق الانسان سجل سبقاً عندما أشار إلى أنه "في إطار حماية حقوق الطفل والوقاية من العنف الأسري، قطعت المملكة خطوات واسعة في توفير مظلة الحماية من العنف والإيذاء ضد الطفل والمرأة وتوفير كل سبل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية لضحايا العنف وتبني مشروع قانون لتجريم هذه السلوكيات، وعلى المستوى الدولي حرصت المملكة على الانضمام للعديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحماية حقوق الإنسان ، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرها المعاهدات الدولية."
سجِلنا يامعالي الرئيس في منظومة حماية حقوق الطفل وذوي الاعاقة من العنف لاتسر الناظرين؛ فقد أكد برنامج الأمان الأسري أنه خلال عام ونصف حتى شباط (فبراير) 2012 أكثر من 615 حالة إيذاء للأطفال. في كل عام نطرح الحلول الواحد تلو الآخر، طالبنا بضمان إجراء تحقيقات في حوادث العنف المنزلي والعائلي ومعاقبة مرتكبيها، طالبنا بنبذ فكرة تعذيب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة واستبدالها بترويض العقول الخشبية وصقلها لمنع العنف ضدهم. وها نحن نطالب للمرة المليون بأن تحقق الشرطة في الاعتداءات ضد الطفل وألا نقترف الخطأ مرتين بإقناع الضحية (المرأة أو الطفل) بالعودة إلى منزلها لمواجهة المزيد من العنف. عندما تعود المُعَنَفَة إلى بيتها فإننا نرتكب جريمة بحقها إذا لم يتم إصلاح وترويض المُعَنِف. هل يجب أن تتكرر كل يوم مأساة طفلة الرياض ''لمى''، وطفلة نجران ''هالة''، وطفلة شرورة ''فاطمة''، وطفلة ينبع ''تالا''، ومعنفة المفك في جدة وغيرهن من الأطفال والنساء؟
شد انتباهي تأكيد رئيس الهيئة الموقر على "حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين على تعزيز الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في مجال حماية حقوق الإنسان وتفعيل الاتفاقيات الدولية لضمان احترام هذه الحقوق والتصدي لأي انتهاك لها." أقف إجلالاً وتقديراً لجهود الملك عبدالله الاصلاحية – رغم اعتقادي بممانعة البعض من استعمال مفردة "الاصلاح"، ولكن أستوقفتني جملة "وتفعيل الاتفاقيات الدولية لضمان احترام هذه الحقوق والتصدي لأي انتهاك لها." هل أنصفنا الأقليات؟ هل احترمنا من يسكن بيننا من أصحاب الديانات الأخرى؟ هل طبقنا سياسة الباب المفتوح مع كتاب الرأي؟ هل فعلنا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعنا عليها عام 2000م؟ هل فعلنا الاعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة؟
باختصار، هل حقاً فعلنا الاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟


No comments: