November 30, 2012

قس وحاخام وشيخ على طاولة واحدة

قس وحاخام وشيخ على طاولة واحدة

عبد الله العلمي
الاقتصادية 30 نوفمبر 2012

مَنْ كان يتوقع أن يجلس القس والحاخام والبطريريك والهندوس وعلماء الدين المسلمون على طاولة واحدة لتأسيس منظومة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات؟ فيينا، المركز العالمي للأدب والعلوم والموسيقى احتضنت يوم الإثنين الماضي أكبر تجمع للأديان والثقافات تنوعاً وتألقاً وحضارة لتأسيس مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. كلمة وزير الخارجية سعود الفيصل جاءت قوية وواضحة؛ فهدف هذا المركز خدمة البشر ولأغراض السلام ونشر الخير على هذه الأرض وأن تكون الخلافات المذهبية عنصراً للتفاهم وليس عنصراً للتصادم.
قصر هوفبورغ احتضن أكثر من 600 شخصية عالمية لتأسيس مبادرة إنسانية واجتماعية كونية غير مسبوقة؛ إرساء وتعزيز احترام الرأي والرأي الآخر من خلال الحوار، وبناء جسور التواصل والتعامل مع المشكلات والاختلافات، وتعزيز التعاون بين مختلف المجتمعات المتنوعة فكرياً ودينياً وثقافياً وحضارياً.
نعم، نريد دفع مسيرة الحوار الإيجابي البناء والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات... كل الأديان وكل الثقافات. نعم، نريد ترسيخ احترام ثقافة التنوع وإرساء أسس العدل والسلام في جميع أنحاء العالم وبمختلف معتقداته وألوانه وأشكاله ولغاته. نعم نريد تحقيق السلام والتعايش والعدل والتغلب على الأزمات والحروب التي تواجه الإنسانية في معظم بقاع العالم.
شد انتباهي أن أعضاء مجلس إدارة مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات مكون من ممثلين عن أتباع الأديان والثقافات الأساسية العالمية؛ رئيس المجلس العالمي لآرية سماج الهندوسية، وعضو هيئة للتدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود، وأسقف من المجلس الأسقفي للحوار بين أتباع الأديان في الفاتيكان، ورئيس بطريركية القسطنطينية، وقس من مطرانية كانتربري، ورئيس ريشو كوسي كاي البوذية، والمدير الدولي لشؤون العلاقات بين أتباع الأديان لدى المجلس اليهودي الأمريكي، إضافة إلى مجموعة مميزة من علماء الدين الإسلامي.
آن الأوان ليعرف العالم أن الإسلام دين سمح ذو شفافية مطلقة تمكن من السعي للحوار بين أتباع كل الأديان. آن الأوان ليعرف العالم أننا نسعى إلى تعزيز التقارب مع جميع الأمم حتى وإن اختلفت مع عقيدتنا وثقافتنا. آن الأوان لنزع فتيل التصادم والخلاف والتنافر والتناحر بيننا وبين الأمم والثقافات. آن الأوان لنبذ العنف بجميع أشكاله الأيديولوجية المقيتة وأن نقضي على الإرهاب الفكري المتزمت على المنابر وفي الكنائس والمعابد. آن الأوان لبدء الحوار لتعزيز التعايش السلمي والتفاهم المشترك وإشاعة القيم الإنسانية بين مختلف الشعوب.
يسعى مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات إلى نشر قيم التسامح والمحبة والأمن والتعايش والسلام، من خلال ثلاثة محاور، تشمل احترام الاختلاف من خلال الحوار، وتأسيس قواسم مشتركة بين مختلف الجماعات، وتحقيق المشاركة الدينية والحضارية والمدنية بين القيادات الدينية والسياسية.
الإسلام دين رحمة والمسيحية دين محبة وهناك حتماً أوجه التقارب في بعض آيات القرآن وأسفار الإنجيل. وكما أن هناك أمورا متشابهة بين الإسلام والمسيحية، هناك أيضاً أمور مختلفة ويجب علينا وعليهم تقبل الاختلاف عن طريق التفاهم والحوار. يجب ألا ننسى أن المسيحيين هم من حموا نبينا وحبيبنا محمد - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين الأوائل في هجرتهم الأولى إلى الحبشة هربا من بطش قريش وظلمها، فحماهم النجاشي ملك الحبشة لأعوام عدة.
وسواء كان الاعتقاد أن الكتاب المقدس الذي أنزل على موسى هو التوراة، أو أن أحكام وشرائع التوراة فسرتها الشريعة الشفوية كما جاءت في الشرح الحاخامي وسُجِل لاحقا في التلمود، فإن هذا الاختلاف في الرأي مكانه الحوار بين أتباع الدين الإسلامي والأديان الأخرى دون قذف أو سب أو عنف أو إكراه.
كذلك يهمنا أن تتوقف أعمال العنف بين الهندوس والمسلمين في الولايات الشمالية في الهند والتي اندلعت فيها اشتباكات طائفية دامية دامت عشرات السنين. لا نريد أن يحطم الهندوس المتطرفون المساجد كما حصل في فايز أباد في ايوديا، أو أن تندلع حروب طائفية كما حصل فى أوتار براديش في تصعيد للتوتر بين الهندوس والمسلمين في هذه الولاية.
لا مكان في مركز الحوار لطبقة المنتفعين الذين استغلوا جهل الناس بحقيقة الأديان، فجعلوا من أنفسهم سدنة تلك التعاليم ليستفيدوا مادياً وسلطوياً منها سواءً كانوا كهنة أو قساوسة أو شيوخا. لا مكان في المركز لمن يطمح أن يكون لكل دين فرقاً متعددة يسودها الشقاق وتتنازعها الحروب لمئات السنين. علينا الاعتراف بأن جميع الأديان تنادي بعدم القتل والزنا والكذب والسرقة وأن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. هذه القواسم المشتركة هي بداية الطريق للتفاهم والحوار.
المشككون في نجاح هذا المركز لهم الحق في إبداء رأيهم، فإن سقف توقعات نجاح المبادرة مقارنة بالإنجازات الماضية لتفعيل الحوار ربما لم يكن مرتفعاً كثيراً في ظل النزاعات الدينية والطائفية في أماكن عدة حول العالم. لكن رسالة المركز واضحة جداً؛ تحقيق التعايش السلمي واحترام الآخر. الجميع في حاجة إلى تقريب الناس إلى بعض وإلى حل الأزمات بالطرق السلمية.
الآن وقد مددنا أيدينا لنصافح ''الآخر''، علينا أن ننزع ما تبقى من حقد وكراهية للأديان والثقافات الأخرى وأن نقف صفاً واحداً أمام المتطرفين من جميع الأديان. هذه هي فرصتنا الأخيرة فلعلنا لا نضيعها.
http://www.aleqt.com/2012/11/30/article_713595.html

No comments: