September 28, 2012

أسطورة نفق خميس مشيط

أسطورة نفق خميس مشيط

عبد الله العلمي

ما زالت أحياء الرونة والمدينة العسكرية وطريق الحزام وطريق الملك فهد قرب نفق الصناعية القديمة وطريق الملك عبد الله المؤدي لمحطة النقل الجماعي في محافظة خميس مشيط تتذكر بأسى أمطار عامي 2007م و2011، التي تسببت في عرقلة السير وانقطاع التيار الكهربائي وتوقف إشارات المرور، خاصة في الشوارع الرئيسة التي أغلقتها المياه الراكدة بسبب سوء مشاريع الطرق والتصريف.
لا يوجد مواطن أو وافد في خميس شهران لم يسمع بأسطورة ''نفق الخميس'' الذي ابتلع عدة أفراد خلال السنوات القليلة الماضية. دخل النفق المعجزة عامه الثامن ولم ينته العمل فيه رغم وعود الأمناء الواحد تلو الآخر. شهد هذا النفق العجيب انهيارات في الجزء الشمالي تسببت في توقف العمل. ضاقت الطرق المجاورة، وازدحمت السيارات بكثافة، وارتبك المرور ولم يبال أحد. لن أستغرب أن هذا النفق العجيب الذي بدئ بإنشائه قبل أكثر من سبعة أعوام سيطلق عليه فيما بعد ''مشروع النفق المشؤوم'' لما شهده من حوادث سقوط المركبات، وعرقلة السير، وتأثيره في المحال المجاورة، نتيجة سوء التخطيط والإدارة من قبل أمانة المنطقة وبلدية المحافظة.
في عام 1425، أرست بلدية محافظة خميس مشيط مشروع النفق على إحدى المؤسسات الوطنية، إلا أن العمل الفعلي لم يبدأ إلا بعد مرور عام تقريبا. قرأت عدة تقارير تفيد بأنه بعد مرور سنة من الترسية لمشروع النفق بمبلغ 34 مليون ريال، سُلم للمؤسسة بمسارين فقط، إلا أنه حُول بعدها إلى ثلاثة مسارات. أعدت مرة أخرى الدراسات والتصاميم الإنشائية البديلة للتصاميم القديمة مع زيادة طبعاً في تكلفة المشروع ''الإجمالية'' بسبب ارتفاع الأسعار وربما أسباب إضافية أخرى.
بعد حوادث سقوط مركبات في النفق المبتور نتج عنها حالات إصابات خطيرة ووفيات، عُقِدَتْ الاجتماعات العاجلة وشُكلَتْ اللجان الرسمية من مسؤولي المحافظة والبلدية والمرور والمقاول منفذ المشروع لكتابة التقارير الإنشائية التي لم يسفر عنها إلا دعم الموقع ببعض الحواجز الخرسانية.
للأمانة، صادف المشروع تحديات عدة، منها توقف المقاول لأكثر من ثمانية أشهر بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية للمشروع. لم يتم الوصول إلى منتصف المشروع إلا بعد مرور قرابة ست سنوات عجاف.
لم يؤخذ في الحسبان الزمن المهدور في عملية التبديل واللصق والتعديل في التصاميم الإنشائية، أو الأعباء المالية المترتبة على ذلك والمتمثلة في ارتفاع أسعار مواد البناء وغيرها. ليس من المنطق أن مع تعاقب الأزمان على خميس شهران ألا تتطور المنطقة بالشكل الذي تطورت مثله المدن الكبيرة المتقدمة لعدم وجود مصادر طبيعية من نفط وغاز ومعادن وزراعة ذات مردود كبير. لدى الكثير شبه قناعة بأن بلدية المنطقة لا يوجد لديها جهاز إشرافي مهني متفرغ يمتلك خبرة هندسية مناسبة وكافية، ما تسبب في حدوث العديد من المشكلات بين الشركات المنفذة للمشاريع والبلدية.
بعد فقدان الأمل في جدوى الاجتماعات الطارئة واللجان المكوكية، شمرت جمعية حقوق الإنسان عن ساعديها وزار وفد من الجمعية يضم الدكاترة الجهابذة والإخصائيين العباقرة مشروع النفق، بحضور مندوبي البلدية وممثلين عن مقاول المشروع. كعادتنا في تحمل المسؤولية، أكد ممثل البلدية أن جزءا كبيرا من التأخير يقع على المقاول المنفذ. لم لا؟ فالبلدية تنتهي مهمتها عند صرف التعويضات للمقاول تزامنا مع ارتفاع غلاء الحديد وبعض مواد البناء. كذلك أكدت البلدية الحنونة أنها تكرمت بمنح المقاول المهلة تلو الأخرى لعل وعسى. لم تكتف البلدية بهذا العمل البطولي، بل استلت قلمها من غمده وخاطبت الجهات المعنية في المنطقة والوزارة لعلهم يتوسطون لدى المقاول بتسريع العمل في المشروع.
المقاول الخطير لم يصمت طويلاً، بل وضع هو الآخر مبرراته فوق الطاولة هذه المرة، وأن سبب التأخير هو تغيير التصاميم مرة تلو أخرى من قبل أمانة المنطقة. ليس هذا وحسب، بل أوضح المقاول العبقري أنه اكتشف وجود عبارة لتصريف السيول والعديد من الكيابل داخل النفق الذي من المفترض أن يكون قد كشف عليه ودرسه بدقة قبل قبول تنفيذ المشروع.
وأخيراً، وبعد أن تعرض النفق البائس للغرق من الأمطار والسيول والمُخَلفات وبعد استمرار صولات وجولات الخلافات بين البلدية والمقاول سحبت وزارة الشؤون البلدية والقروية المشروع من بلدية محافظة خميس مشيط ونقلته إلى أمانة منطقة عسير للإشراف عليه ومتابعته.
بصراحة أحسد أهالي خميس مشيط على اهتمام المحافظة بمشاريعها، فقد عبر المحافظ في خطاب رنان للبلدية عن ''أمله'' في سرعة تنفيذ المشاريع المعتمدة والمتعثرة في المحافظة، وإيجاد حلول لجميع المعوقات التي حالت دون تنفيذ هذه المشاريع لحاجة المحافظة إليها وخدمة ساكنيها والزائرين لها.
لدي معلومات أن بلدية محافظة خميس مشيط تنفذ في الوقت الحالي مشاريع تنموية بمئات الملايين. من المفترض أن تشمل هذه المشاريع أعمال سفلتة وأرصفة وإنارة وتصريف مياه الأمطار ودرء أخطار السيول وإنشاء ممرات وساحات وإنشاء خزانات مياه وشبكات الري. لكن إذا كانت هذه المشاريع بنفس مستوى إنشاء مشروع النفق فلا فائدة ترجى منها.
على الرغم من أن خميس مشيط تحتل المرتبة الأولى تجاريا على مستوى المنطقة الجنوبية، والأولى في عدد السكان على مستوى منطقة عسير، إلا أن تطوير المحافظة لم يواكب الطفرة السكانية أو الحركة التجارية.
هل تعلم سيدي القارئ أن مشروع نفق خميس مشيط المعجزة بُدِئ العمل فيه عام 2006، أي في الوقت نفسه الذي وُضِعَ فيه حجر الأساس لبرج خليفة واكتمل بعده إنجاز مترو دبي، ووضع حجر الأساس لجامعة كاوست، وهبطت بعده مركبة فضاء على سطح المريخ؟

No comments: