May 11, 2012

أين تذهب هذا المساء؟


أين تذهب هذا المساء؟

الاقتصادية
مايو 11 2012
عبد الله العلمي

بعد قضاء يوم طويل من الاجتماعات في إحدى العواصم الأوروبية على نهر السين، سألني مضيفي الفرنسي أين أريد قضاء السهرة تلك الليلة، خاصة أن مدينة الأضواء تحتفل بتتويج رئيس جديد. بصراحة لم أعرف الإجابة، فهذه المدينة الرومانسية الساحرة مملوءة بالمعالم السياحية من متاحف ودور أوبرا وأسواق ومتنزهات ومطاعم معروفة. طلبت من مضيفي إعطائي خيارات لعدم إلمامي بآخر ما استجد من فعاليات ترفيهية سياحية في تلك البلد.
بدأ بالحديث عن المسرح لمعرفته بعشقي لهذا الفن الراقي واقترح أن نشاهد مسرحية (البؤساء) والمعروفة عالمياً بـ Les Misérables، وهي رواية مشهورة بل من أشهر روايات القرن التاسع عشر للكاتب والشاعر فيكتور هوجو. يصف المبدع هوجو وينتقد في روايته الظلم الاجتماعي في فرنسا بين فترتين مهمتين هما سقوط نابليون والثورة الفاشلة ضد لويس فيليب. من سحر الرواية أنها تعرفك عن قرب على الخير والشر في قصة مثيرة تظهر فيها ملامح الحب والرومانسية والعدالة الاجتماعية. وكعادته، غمز مضيفي بخبث ساخر مؤكداً لي أن العرض مستمر منذ فترة طويلة ولم يوجه أحد بإيقاف عرض المسرحية ولم تدهم أي مجموعات المسرح مطالبين بإيقاف العرض.
أما الخيار الثاني حسب كلام مضيفي فهو حضور عرض في دار الأوبرا، نقطة ضعف أخرى لي لا يمكن رفضها تحت أي ظروف. أحببت الأوبرا لأنها تجمع بين النص الشاعري والموسيقى الكلاسيكية الراقية، حيث يدور حوار عاطفي ومنفعل بين أبطال المشهد بمصاحبة الموسيقى التي تلعب دوراً أساسياً لإيصال الفكرة. دور الممثل - المغني أساسي، خاصة إذا كان يتمتع بدرجات صوتية مميزة مع حركات تمثيلية إيحائية، أما الآلات الموسيقية المصاحبة في الأوبرا فهي تختلف حسب المشاهد كإبراز مشهد معين أو التركيز على فكرة بعينها.
الخيار الثالث هو مشاهدة عرض باليه، وهو نوع من الرقص الكلاسيكي والحركات الرشيقة المنسجمة والصارمة. الجميل في الباليه أنه يشمل إضافة للرقص الموسيقى وفي بعض الأحيان التمثيل. لم ينفد صبر مضيفي فاقترح مشاهدة باليه (بحيرة البجع) وهي إحدى الروائع الفنية للموسيقار الرومانسي الروسي تشايكوفسكي وهي مكونة من أربعة فصول استعراضية راقصة جميلة. وهنا أيضاً أصابني هذا الخيار في مقتل لعشقي عروض الباليه التي ألفها هذا الموسيقار العالمي مثل (الجمال النائم) و(الأميرة النائمة).
تكتمل الصورة روعة إذا كان العرض في أوبرا (غارنييه) وهي أكبر مسرح موسيقي في العالم والتي استغرق بناؤها 13 عاما وتستطيع خشبتها المسرحية استقبال 400 ممثل في وقت واحد. الجميل في ميدان الأوبرا أنه بإمكانك المشي بعد العرض بين مجموعة من أشهر وأرقى شوارع باريس. لك أن تختار من المقاهي الأنيقة أو المطاعم الراقية إضافة طبعاً إلى دور السينما. كما هو الوضع في جميع دول العالم، يذهب الناس للسينما للاستمتاع بمشاهدة فيلم دراما أو كوميدي أو (أكشن) أو غير ذلك بعد أن تكون الرقابة قد أجازت عرض الفيلم. أما في الإنترنت وبعض القنوات المشفرة – فللأسف - تُعرض أفلام أقل ما يقال عنها إنها غير لائقة وهابطة وخارجة كلياً عن النص.
أما الخيار الآخر فهو حفل موسيقى الجاز، وهو خيار رائع لأنه يتيح لك التمتع بسماع عدة آلات موسيقية رئيسة وهي البيانو والباص والإيقاع، وفي بعض الأحيان يضاف إليها آلة الساكسفون. أفضل ألوان الجاز – بالنسبة لي على الأقل – الجاز اللاتيني الذي بدأ من أمريكا الجنوبية. وجدت الفكرة جيدة لا سيما أن آخر مرة حضرت فيها حفلاً للجاز كانت هنا في منتصف 2009 وكانت احتفالية رائعة بمناسبة مرور قرن على نشأة موسيقى الجاز. ما زلت أعتقد أن الراحل لويس آرمسترونغ كان أكبر وأشهر موسيقيي الجاز في العصر الحديث فهو يعود له الفضل في تطوير هذا الفن الراقي على مستوى العالم.
الخيار الأجمل هو حضور حفل موسيقى عالمية أو ما تعرف بالموسيقى الكلاسيكية. يحدثني مضيفي فيقول إن هناك حفلات عدة في تلك الليلة للموسيقار العالمي بيتهوفن، وهو بالمناسبة من أكثر المبدعين الموسيقيين في العالم وقدم أول عمل موسيقي وعمره ثمانية أعوام. ما زلت أعتقد أن السيمفونية التاسعة لبيتهوفن هي من أجمل وأرقى ما قُدم من أعمال كلاسيكية، خاصة إذا كانت الفرقة أو (الأوركيسترا فيلهارموني) تضم أكثر من 100 عازف على جميع الآلات الموسيقية بكل أنواعها.
طبعاً هناك خيارات أخرى، خاصة لمحبي المتاحف، وفي هذه المدينة الساحرة أكثر من 80 متحفاً في غاية الأناقة والجمال. من أجمل متاحف العالم متحف اللوفر الذي تحول من قلعة إلى قصر ومن ثم إلى متحف. أكثر ما يعجبني في اللوفر تأمل لوحات رافائيل وليوناردو دافنشي، وتمثال الجمال فينوس للنحات ميللو. كذلك يعجبني في موقع اللوفر قربه من برج إيفل الشهير. من الأماكن السياحية الأخرى التي بإمكاننا زيارتها هذه الليلة قصر فرساي وكان مركزاً لإقامة ملوك فرنسا. أحرص على زيارة هذا المعلم الجميل وقصوره الثلاثة التي تحيط بها حدائق خلابة وبرك المياه. لا تقل برهات القصور الداخلية جمالاً عن ساحاتها الخارجية، فهناك تجد النقوش والرسومات واللوحات الفنية الجميلة. استرعى انتباهي نظافة وأناقة هذه المعالم السياحية ولم أجد على جدرانها كتابات بالخط العريض تشجع ناديا رياضيا أو رسومات لقلوب وأشعار غزل صبيانية طائشة.
استقر رأينا على مشاهدة عرض باليه. حرص مضيفي على أن يطلب من زوجته قيادة السيارة إلى المسرح مؤكداً لي بضحكة لها معنى أنه لن يوقفنا أحد ليطلب منا توقيع تعهد خطي.
عدت إلى أرض الوطن وكان أول المستقبلين مكالمة من صديق عزيز: ''ألو .. الحمد لله على السلامة، وين نسهر الليلة؟ ما رأيك في مطعم مثلوثة على كيفك، أو نتفرج على التطعيس في الثمامة؟''.

No comments: