April 13, 2012

يوم عادي آخر للمواطن بوسعد

الاقتصادية - 13 أبريل 2012

يوم عادي آخر للمواطن بوسعد

عبد الله العلمي

أيقظ بوسعد زوجته لأداء صلاة الفجر. يقرأ بوسعد أرقاما خيالية عند إعلان الميزانية كل عام عن تنفيذ وزارة الكهرباء والماء مشاريع الكهرباء والمياه والصرف الصحي في جميع مناطق المملكة دون استثناء، ومع ذلك ما زال الحي الذي يسكنه من دون ماء صالح للشرب أو شبكات صرف صحي، إضافة لانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي. غادر بوسعد منزله باتجاه مسجد الحي وهو يتمتم بالدعاء أن يشفي الله زوجته. ما زال بوسعد ومعظم سكان الحي يشكون قلة نظافة المسجد وسوء صيانته، ورغم تقديم شكوى لفرع وزارة الشؤون الإسلامية يضطر سكان الحي كل يوم لسماع الأذان بلكنة مكسرة شبه عربية، إضافة إلى أن الإمام لا يمتلك أدنى تأهيل شرعي أو علم فقهي يُذكَر.

بعد عودته للمنزل، كان ابنه سعد - وهو طالب في السنة أولى متوسط – يُثقِل ظهره النحيل بحقيبته المملوءة بمناهج قديمة يحلم بتطويرها استعداداً للذهاب لمدرسة مستأجرة شبه مهترئة من دون تكييف أو أي تجهيزات تعليمية. مديرية التعليم وعدت الأهالي خيراً وما زال الوعد قائماً منذ ست سنوات. فاطمة - أخت سعد - ليست بأفضل حالا، فهي تدرس في جامعة المدينة الصغيرة ولا يكاد يمر يوم إلا وتشارك مع زميلاتها الطالبات في الاعتصام احتجاجاً على ظروفهن التعليمية وحياتهن الجامعية، خاصة سوء معاملة بعض أعضاء هيئة التدريس ورداءة صيانة مباني الجامعة المتهالكة وعدم نظافة أروقتها الداخلية والخارجية، إضافة إلى عدم توفير عيادة طبية.

يسكن بوسعد وعائلته في بيت إيجار مكون من غرفتين وصالة. على الرغم من أنه يعمل في وظيفة متوسطة في دائرة حكومية محترمة إلا أن حلمه من وزارة الإسكان مثل حلم 60 في المائة من المواطنين الآخرين هو بناء منزل يؤويه وعائلته. ركب بوسعد وزوجته وولديه سيارته القديمة باتجاه المدرسة ثم الجامعة. الطريق إلى المدرسة ضيق ووعر وما زال سكان الحي يعانون تأخر المقاول في تنفيذ المشروع الذي تخطى عامه الثاني دون أي صيانة تُذكَر. ''أين البلدية؟'' يتمتم بوسعد. ''أي بلدية؟'' تجيب أم سعد، ''نسيت كيف تسممنا كلنا من أكل المطعم ولم يسأل أحد عن الموضوع أو حتى استجاب للشكوى؟''.

بعد إيصال سعد لمدرسته، سلك بوسعد الطريق السريع باتجاه المدينة. أمامه اليوم ثلاثة مشاوير مهمة؛ الأول إيصال فاطمة لجامعتها، والثاني مراجعة زوجته للمستشفى العام لمعرفة نتائج تحاليل ذاك المرض البشع، والمشوار الثالث هو زيارة فرع المركز الزراعي لملاحقة القرض الذي تقدم به منذ أكثر من عشر سنوات. يسمع بوسعد عن القروض الزراعية الميسرة فقط في وسائل الإعلام، لكن على أرض الواقع لم يلق بوسعد وربعه المزارعون أي اهتمام أو تجاوب من مدير المركز. وحتى عندما تجمع المزارعون حول المسؤول الكبير عند زيارته للقرية، نَهَرَهُم المسؤول بقسوة وعاد إلى الرياض غير عابئ بمطالبهم المشروعة.

الطريق السريع المتجه لجامعة فاطمة ما زال يرزح تحت الصيانة منذ ثلاث سنوات. ''لماذا علينا أن نعاني تأخر المشاريع في الطرق والأنفاق والجسور؟'' يسأل بوسعد بغضب واضح. آخر مرة تقدم فيها الأهالي بشكوى قيل لهم إن الجهة المسؤولة هي وزارة النقل، وعندما راجعوا فرع وزارة النقل قيل لهم: راجعوا البلدية. طبعاً البلدية ما زالت تلاحق المقاول، والمقاول يلاحق استحقاقاته من وزارة المالية. الخدمة الوحيدة التي حصل عليها المواطن هي الوعود البراقة.

بعد وصولهم إلى المستشفى العام، كان مصير أم سعد أرضية أحد الأروقة لعدم توافر أسِرّة. بوسعد مثله مثل عشرات ألوف المواطنين الآخرين يضطر إلى السفر إلى المدن الكبرى بحثا عن العلاج. أثناء الانتظار، لمح بوسعد صديقه بوحمد. ''ها يبوحمد، بشر كيف حمد؟ عسى حَصّلْ وظيفة!'' حمد خريج جامعي حاصل على شهادة الهندسة الكهربائية بتفوق من جامعة البترول منذ عامين ومع ذلك لم يجد وظيفة فالتحق بوظيفة ''معَقب'' براتب ثلاثة آلاف ريال في إحدى شركات المقاولات. اليوم أنهى حمد إجراءات استقدام وفد آخر من العمالة الأجنبية ليصبح مجموع عدد التأشيرات الصادرة للوافدين خلال هذا العام مليون تأشيرة لمليون وافد، 800 ألف منهم لا يحملون الشهادة الابتدائية. أما نورة – أخت حمد – فهي موظفة مؤهلة برتبة ''مؤقتة'' على بند عقيم منذ أكثر من ست سنوات وما زالت تسعى هي وزميلاتها البالغ عددهن عشرة آلاف موظفة (مع وقف التنفيذ) للانتقال من المرحلة المؤقتة إلى التثبيت. غادر بوسعد وزوجته المستشفى وهو في حالة تذمر وقلق؛ الأدوية غير متوافرة حالياً وعليه أن يبحث عنها في الصيدليات الكبيرة.

أثناء عودتهم مر بوسعد وزوجته على منزل أخته للاطمئنان على ابنها المودع في دار التأهيل. علم بوسعد من أخته أنها استبشرت خيراً عندما ألبسوا ابنها قميصاً جديداً لأول مرة منذ 15 عاما. السبب هو أن أحد المسؤولين المهمين جداً من الشؤون الاجتماعية زار دار التأهيل بمشلح مُقَصبْ وبصحبة كاميرات التصوير التلفزيونية. لم يتمكن ابنها من الشكوى ضد القائمين على المركز لأنه معوق لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو حتى النطق بكلمة أو حرف، وخافت الأم إن اشتكت فقد يكون مصير ابنها التعرض للضرب والإهانة من عامل النظافة في المركز كما حصل مع الأطفال الآخرين من دون مساءلة أو محاسبة للمقصرين.

قبل عودتهم للمنزل، مر بوسعد على البقالة للتبضع، كل ما يريد أن يشتريه المواطن بوسعد هو قليل من الحليب والبيض والجبن والخبز والرز. إذا أسعده راتبه في ذلك الأسبوع قد تأكل عائلة بوسعد قليلاً من اللحم وربما يتقاسمون نصف دجاجة منتهية الصلاحية، وبذلك يكون قد تحقق هدفان: التلاعب بقوته اليومي وأربع حالات تسمم جديدة.

بعد دخولهم للمنزل أدار بوسعد جهاز التلفزيون القديم وسمع حديثا عن أهمية أن تقوم الأجهزة بخدماتها وتمنى عليها أن تفعل ودعا لها بالتوفيق.

No comments: