November 5, 2011

معالي الوزير....هل أتاك حديث فاطمة؟

مع احترامي وتقديري لجهود معالي وزير العدل محمد العيسى ومعرفتي الأكيدة أنه يسعى لتطوير النظام القضائي بالمملكة، إلا أن أجد نفسي ملزماً بالتعقيب على تصريحاته الأخيرة بشأن القضاء السعودي.

يقول الوزير خلال المؤتمر الدولي لاتحاد المحامين الذي عقد في مدينة ميامي الأميركية هذا الشهر بحضور نحو 1000 محام وحقوقي أن «قوانين المملكة لا تفرق بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، والإسلام أعطى المرأة حقها وأنصفها»، مؤكداً عدم وجود قضاء استثنائي لدى المملكة، بل قضاء طبيعي.

حق التعليم مكفول للجميع رجالاً ونساءً بل هو حق يشجع عليه الإسلام في القرآن الكريم والسنة المشرفة، ومع ذلك فإن تسجيل فاطمة في أي مرحلة من التعليم في السعودية مرهون بموافقة كتابية من ولي أمرها. أحيل معاليكم لكتاب الحافظ ابن حجر "الإصابة في تمييز الصحابة" والذي شمل أكثر من ألف وخمسمائة امرأة من الفقيهات والمحدثات والأديبات، مما يدل على أن المرأة كانت منذ الأزل متعلمة وتواقة للمعرفة بدون آمر أو ولي. ألا تستدعي هذه التفرقة بين الرجل والمرأة في الحقوق نظرة أخرى من وزارة العدل قبل اطلاق التصريحات عن المساواة والعدل بين الطرفين؟

نفس المنطق ينطبق على العمل، هو أيضاً كما ينص نظام العمل السعودي حق مكفول لجميع المواطنين من الجنسين. ولكن الواقع غير ذلك تماماً إذا ليس بإمكان فاطمة أن تقدم على وظيفة عمل بدون إذن من ولي أمرها حتى وإن تجاوزت سن الرشد، بل وبإمكان صاحب العمل فصل فاطمة وأخواتها وبنات عمها وخالاتها من عملهن إذا تلقى أمراًً بذلك من ولي أمرها، فأين القوانين التي لا تفرق بين الرجل والمرأة؟

وأما في التجارة وإدارة الأعمال فإن على فاطمة – بخلاف ما ينطبق على الرجل – أن تحظى بتوقيع ولي أمرها للتقديم لأصدار ترخيص مهني لمزاولة عملها. طبعاً ينطبق نفس مبدأ التفرقة بين فاطمة وأي رجل آخر في ضرورة تعيينها لوكيل شرعي او موافقة ولي أمرها لتتمكن من الحصول على أي من التراخيص المهنية التجارية المتعارف عليها. قلت يامعالي الوزير في كلمتك في ميامي أن "السعودية تحمي حقوق الإنسان وحرياته المشروعة التي تتوافق مع صحيح نظريات وقواعد العدالة الإنسانية"، فهل هذه التفرقة بين الرجل والمرأة حماية لحقوق فاطمة وحريتها المشروعة في مزاولة عملها وهل تتفق هذه التفرقة مع قواعد العدالة الاجتماعية؟ أليست قوامة الرجل على المرأة إنما تقوم على أساس المودة والرحمة فيما بينهما، وليست الرغبة في إذلال المرأة وإرادة الإذلال والإضرار بها؟

إذا انتقلنا لجزئية أخرى هامة في الحياة الاعتيادية فإن فاطمة لاتملك حق العلاج الطبي بدون موافقة ولي أمرها وهذا يشمل التنويم والعمليات وجميع مايتعلق بالرعاية الطبية التي من المفترض أن تكون حقاً مشروعاً لكل من الرجل والمرأة على حد سواء. ولهذا السبب فعلى فاطمة الاستئذان من ولي أمرها حتى وإن مرضت. أكدت يامعالي الوزير في كلمتك أن "القضاء في المملكة هو حارسُ المشروعية وحامي الحقوق والحريات التي ضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمة الدولة"، فهل حافظ القضاء في السعودية على استجداء فاطمة لولي أمرها للحصول على الرعاية الطبية وحمى حقوقها وحريتها التي ضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية؟
وفي الأحوال الشخصية قضية أخرى، إذا ليس بإمكان فاطمة مراجعة الدوائر الحكومية المختصة لإستصدار بطاقة أحوال أو جواز سفر بدون إذن ولي أمرها وحضوره شخصياً ليمنحها هذا الحق. عندما دخلت فاطمة إحدى المؤسسات الحكومية للسؤال عن معاملة تخصها، نهرها المسؤول بكل إزدراء واحتقار صارخاً: "عندك معرف؟". إذا كنا مازلنا لا نستطيع احترام كينونة المرأة فكيف ننجح في اشتراكها في بناء المجتمع؟

اسمح لي معالي الوزير أن أقتبس من كتاب الشيخ محمد أبو زهرة وهو أحد أئمة مشايخ الأزهر (الولاية على النفس) ويشرح فيه باسهاب سلس وبسيط مدى نهاية الولاية على الأنثى، فيقول: (تنتهي الولاية على النفس بسبب الأنوثة ببلوغ الأنثى السن التي تكون مأمونة على نفسها، ولا تحتاج فيها إلى من يجنبها الأخطار التي تتعرض فيها كرامتها وعرضها وكرامة الأسرة التي تنتمي إليها للهوان، أو تبلغ من المنزلة العلمية والعملية ما تستطيع به أن تصون نفسها، وتحميها من غير معونة من وليها).

من أكثر الأمور التي كانت تسبب الأرق لفاطمة وجود أنظمة تقوي من تسلط الرجل "الولي" على المرأة بحق وبغير حق، فتمادى بعضهم في تسلطهم لدرجة حرمان بعض النساء من حقوقهن في الراتب والميراث، ولم يجدن – مثل فاطمة - من ينصفهن ويحميهن من الظلم الواقع عليهن نتيجة الخوف من هؤلاء الأولياء.

معالي الوزير إني على ثقة تامة من جهودك لتطبيق التحديثات الأخيرة لنظام السلطة القضائية، وهي كما ذكرت مكملات تطويرية تمليها مستجدات الواقعة القضائية والأفكار الإجرائية الجديدة. كما اني على ثقة تامة من الصعوبات ووجهات النظر المتشددة التي تواجهها وزارة العدل في تطبيق أنظمة مرنة قابلة للتحديث والتطوير، ولكني آمل أن تكون هذه الأنظمة عادلة بين جميع الواطنين والمواطنات.

ليس لدي أدنى شك سيدي أنك مقتنع مثلي تماماً أننا نُسَلِم بأهلية المرأة السعودية وحقها كإنسان أولاً وكمواطنة ثانياً في التعلم والعمل والكسب والعلاج والتنقل...في نهاية الأمر آمل معالي الوزير أن يكون قد وصلك حديث فاطمة.

No comments: