May 24, 2011

القرار 1900 لا ينطبق على منال





من المعيب أن يعتقد البعض أن للنساء حقوق مختلفة عن حقوق الرجال ويمكن التلاعب بها متى شئنا على أساس أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تقوم على التكامل. هذا ما تذكرته (رغم القليل الذي تبقى لي من نعمة الذاكرة) مما قاله الوجيه ابراهيم البليهي؛ لايوجد مايجيز حجز أو إيقاف منال الشريف فنظام المرور ليس فيه منع المرأة من القيادة أما إن كانت لاتحمل رخصة قيادة فعقوبة مخالفة فقط كالرجل.

ماهو القرار 1900؟

قرار وزارة الداخلية رقم (1900) وتاريخ 9/7/1428هـ يحدد ما يعد من الجرائم الموجبة للتوقيف وهي كالتالي:

1. الحدود المعاقب عليها بالقتل أو القطع.

2. القتل العمد، أو شبه العمد.

3. جرائم الإرهاب والجرائم المخلة بأمن الدولة.

4. قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية، أو الأسلحة والذخائر، أو تزييف أو تقليد النقود، أو التزوير، أو الرشوة أو انتحال صفة رجل السلطة العامة، أو غسل الأموال.

5. سرقة السيارات.

6. القوادة أو إعداد أماكن للدعارة.

7. ترويج المسكرات، أو قصد الترويج في حال تهريبها، أو تصنيعها، أو حيازتها.

8. اختلاس الأموال الحكومية، أو أموال الشركات المساهمة، أو البنوك أو المصارف ما لم يرد المبلغ المختلس.

9. الاعتداء عمداً على ما دون النفس الناتج عنها زوال عضو، أو تعطيل منفعة أو جزء منها، أو إصابة مدة الشفاء منها تزيد عن خمسة عشر يوماً، ما لم يتنازل صاحب الحق الخاص.

10. الاعتداء عمداً على الأموال أو الممتلكات العامة أو الخاصة بأي وسيلة من وسائل الإتلاف بما يزيد قيمة التالف عن خمسة آلاف ريال، ما لم يتنازل صاحب الحق الخاص.

11. الاعتداء على رجل الأمن أثناء مباشرته مهام وظيفته، أو الإضرار بمركبته الرسمية أو بما يستخدمه من تجهيزات.

12. استعمال أو إشهار السلاح الناري بقصد الاعتداء أو التهديد به.

13. انتهاك حرمة المنازل بالدخول بقصد الاعتداء على النفس، أو العرض، أو المال.

14. انتهاك الأعراض بالتصوير والنشر أو التهديد بالنشر.

15. الاعتداء على أحد الوالدين بالضرب ما لم يحصل التنازل.

من الواضح للعيان أن منال الشريف لم ترتكب أي من هذه الجرائم، كل مافعلته هو أنها قادت سيارتها بنفسها، ولهذا فإن سجنها لايعتمد على أي تبرير قانوني موثق.

لم ترتكب منال الشريف جريمة ذات الحدود أو حتى التعازير، من هذا المنطلق فإن اتهامها بارتكاب جريمة تستحق السجن هو باطل نصاً ودستورياً وشرعاُ. التناقض الواضح (لمن لا يريد أن يرى الحقيقة) هو أن المادة (٢٦) من النظام الأساسي للحكم تنص على أن "تحمي الدولة حقوق الإنسان، وفق الشريعة الإسلامية". أليس من حق منال الشريف أن تحمي الدولة حقوقها فتسمح لها ولغيرها من النساء بالتنقل على تراب الوطن كما هو حق مكفول للجميع؟ أم أن النساء والرجال لا يتساوون أمام القانون فيحق للرجال قيادة السيارة بينما يعتبر للمرأة منافِ لقوانين وأعراف البلد؟

التهمة

التهمة الموجهة إلى منال الشريف كما نشرتها وسائل الاعلام تتمثل في قيامها "بتجاوز الأنظمة والتعليمات وقيادتها للسيارة والتجول بها على مستوى المحافظة وتمكين إحدى الصحفيات من إجراء مقابلة معها، إبّان قيادتها للسيارة وتعمدها نشر التسجيل إعلاميا وتحريض النساء على ذلك، وتأليب الرأي العام".

بداية ماهي تلك الأنظمة التعليمات التي تجاوزتها منال؟ أجمع القانونيون (على الأقل العقلاء منهم) أنه لا يوجد مسوغ قانوني يمنع قيادة المرأة للسيارة. والمفترض أنه لا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام، وهذا أيضاً نص واضح وصريح في أنظمة المملكة العربية السعودية. أما إذا كانت الدولة تمنع قيادة المرأة للسيارة وأن قيادة السيارة في السعودية تقتصر على الرجال فقط فعلى الحكومة أن تصدر قراراً رسمياً واضحاً وصريحاً بهذا المعنى يتم توثيقه رسمياً لدى المنظمات الدولية بما فيها منظمات الأمم المتحدة وحقوق الانسان ويعمم على جميع سفارات المملكة العربية السعودية في الخارج وجميع البعثات الدبلوماسية الأجنبية داخل المملكة.

بما انه لا يوجد نص شرعي يحرم قيادة المرأة للسيارة، والأصل في الإسلام الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، فإن ماقامت به منال الشريف عملاً ملحاً لأسباب اقتصادية واجتماعية وأمنية.

وأقتبس هنا من مدونة الأستاذ المحامي عبد الرحمن اللاحم الذي أوضح أن "تعميم وزارة الداخلية بمنع المرأة من قيادة السيارة والذي صدر عام ١٤١١هـ وهو من الناحية القانونية منسوخ بصدور النظام الأساسي للحكم عام ١٤١٢هـ ، كما أن انضمام المملكة لإتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد لمرأة ( السيداو) عام ٢٠٠٠ م يعزز توقف الاثار القانونية لتعميم وزارة الداخلية بشأن منع المرأة من قيادة السيارة بمجرد صدور النظام الأساسي للحكم وانضمام السعودية للسيداو."

أما تهمة "تمكين إحدى الصحفيات من إجراء مقابلة مع السيدة منال الشريف إبّان قيادتها للسيارة وتعمدها نشر التسجيل إعلاميا " فهي مثيرة للشك، إذ لا يمنع نظام المطبوعات والنشر السعودي أن يجري أي مواطن حواراً مع أي صحفي داخل أو خارج المملكة على ألا يتعرض للثوابت المتعارف عليها.

التهمة أيضاً شملت "تحريض النساء على ذلك ]قيادة السيارة[، وتأليب الرأي العام". لم أقرأ أي معلومة مكتوبة أو مرئية صدرت عن منال الشريف تحتوي على تحريض أو تأليب الرأي العام من قريب أو بعيد.

لم تتوقف التهم عند هذا الحد بل أكدت مصادر في هيئة التحقيق والادعاء العام لإحدى وسائل الاعلام أن التهمة الموجهة إلى منال الشريف ليس "قيادة السيارة" وإنما تصنف تحت ما يعرف بـ"الإخلال بالنظام العام". الوطن 22 مايو 2011.

إن صح هذا الخبر فهو اتهام خطير ويحتاج لوقفة جادة وصارمة. هيئة التحقيق والادعاء العام تتولى مهام التحقيق والادعاء في الجرائم الواردة في نظام مكافحة جرائم المعلوماتية والذي بدوره يخول الجهات المختصة النظر في الإخلال بالنظام العام للدولة أو بقيمه. من تلك "الجرائم" استغلال البعض الإنترنت للدعوة لمخالفة التعليمات والإلتفاف على الأنظمة لتحقيق غايات غير مشروعة من خلال المظاهرات والمسيرات والاعتصامات. ليس هناك مايثبت من قريب أو بعيد أن منال الشريف استغلت الانترنت أو أي وسيلة أخرى لتحقيق "غايات غير مشروعة من خلال مظاهرات أو مسيرات أو اعتصامات أو الاخلال بالنظام العام للدولة".

دور هيئة حقوق الإنسان

دور هيئة حقوق الإنسان – بالرغم من محدودية صلاحياتها - في هذه القضية هام جداً. المطلوب من الهيئة الموقرة متابعة الاتصال بالمسئولين في إدارة سجون المنطقة الشرقية وأخص بالذات مديرها العميد عبد الله البوشي والعقيد د. ايوب بن حجاب بن نحيت المتحدث الرسمي للمديرية العامة للسجون للتأكد من حفظ حقوق منال الشريف داخل الاصلاحية والتي من المفترض أن تكفل لها حقها وواجبها كباقي النزلاء والنزيلات.

دور جمعية حقوق الإنسان

تربطني بعدد من القيادات في جمعية حقوق الانسان علاقة زمالة واحترام متبادل، ولكن لا يكفي أن تطالب الجمعية الجهات المعنية ببحث آلية ووضع نواة للتفكير من أجل إيجاد حل لهذه القضية. لا بد من إيجاد حلول آنية وحالية وجذرية لتمكين المرأة من قضاء حاجاتها بنفسها بدون الاعتماد على سائق خريج سجون أو قريب متسلط في الأسرة. لعلي أذكر جمعية حقوق الانسان أن هناك دلائل على ان المرأة التي تقود السيارة في القرى النائية كسبت الاحترام لإتباعها للأنظمة المرورية، بما يفوق احترام الرجال لقوانين المرور.

ماهو موقف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

كان من المتوقع أن تدافع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن موقفها في عملية القبض على منال الشريف. فقد قال مصدر بفرع الهيئة بالمنطقة الشرقية في تصريح لإحدى الصحف المحلية أن موقف الهيئة "طبيعي ونظامي ولا يستطيع أي شخص أن يكون له أي مدخل على موقف الهيئة". المدينة 22 مايو 2011.

يبرر من يعارض قيادة المرأة للسيارة بالفتاوى من بعض المشائخ ولابأس بذلك، ولكن هل تلك الفتاوى ملزمة للدولة أو الافراد؟ القانون هو وحده الذي يحدد علاقة البشر في الحياة الدنيا، فإما أن تكون فتاوى المشائخ قانون الوطن أو أن نحتكم للنظام الأساسي للدولة. أتوقع أن الهيئة الموقرة تعلم أن السماح للمرأة بقيادة السيارة يؤدي إلى تجنيب نساء وأطفال الأسرة الاختلاط الغير شرعي في السكن والسيارة مع رجل غريب سواء كان سائق الأسرة أو سائق الليموزين. إضافة لذلك، لا بد وأن الهيئة الموقرة تعلم أن الكثير من السائقين يدخلون في أعمال أخرى ممنوعة كالمتاجرة بالمشروبات الكحولية المصنعة محلياً وتسهيل هروب الخادمات واستغلالهن في أعمال غير مشروعة مثل التزوير والدعارة وغيرها.

موقف مجلس الشورى

يعتقد رئيس اللجنة الأمنية في مجلس الشورى الدكتور سعود السبيعي أن قيام المرأة السعودية بنشر مقاطع على «يوتيوب» وهي تقود السيارة في المملكة، «عملا غير أخلاقي، وتحديا للمجتمع بجميع قنواته الرسمية وغير الرسمية». من المفيد والمطلوب أن يتكرم أي عضو في مجلس الشورى بإبداء رأيه، ولكن أن يلجأ العضو المعين براتب سخي من الدولة بهذا التصريح بل ويطالب الجهات الأمنية بالتدخل «وأخذ تعهدات خطية عليهن وعلى أولياء أمورهن بعدم العودة لمثل هذه التصرفات، التي تسيء إلى المجتمع» فهو مبالغ فيه من الناحية التشريعية وحتى الرقابية.

نأمل أن يحرص السادة أعضاء مجلس الشورى على حل قضايا الفساد والرشوة والواسطة والابتزاز والشيكات المرتجعة والمساهمات المتعثرة والصحة والتعليم والخطوط والطرق والمواصلات وتزوير الشهادات عوضاً عن اهتمام بعضهم البالغ بـ "جريمة" قيادة المرأة للسيارة. ربما أن النائب الموقر لا يعلم أنه لا يتوفر لدى جميع النساء محارم أو سائقين لتأمين تنقلاتهن، فهناك المطلقات والمعلقات والأرامل وغير المتزوجات والمعنفات والطالبات. حتى لو وجد المحرم لبعض النساء فهو غالبا ما يكون مشغولا بأعماله وإرتباطاته الخاصة.

بالمناسبة، سأكتب في مقال آخر كيف تمت دعوتي من قبل مجلس الشورى الموقر لمناقشة الدراسة التي أعددتها عن قيادة المرأة للسيارة وكيف تمت إلغاء الدعوة "المراكبية" في نفس اليوم.

موقف إدارة المرور

رفض مدير الإدارة العامة للمرور اللواء سليمان العجلان إبداء أي تعليق عن قيام سعوديات بقيادة سياراتهن. وحين سئل عما إذا كان النظام الجديد للمرور يتضمن شيئاً بهذا الخصوص، اكتفى بالقول: «اسألوا الجهات التشريعية». أريد أن أذكر سعادة اللواء العجلان أن المادة (32) من نظام المرور تنص على أنه (يحظر على أي شخص قيادة أي مركبة قبل الحصول على رخصة القيادة اللازمة وفقاً لأحكام هذا النظام ولائحته)، وتأسيساً على هذا النص فإن كلمة "شخص" الواردة فيه ليست مقصورة على الذكر دون الأنثى.

كذلك أقترح على إدارة المرور أن يتم الإذن بقيادة المرأة للسيارة ضمن خطة منظمة في وقت معين من اليوم ويحدد له مدينة أو محافظة مع ضرورة إصدار عدد من القوانين الرادعة والحامية للنساء تطبق بكل شدة والتزام تحميهن من أي تعدٍ عليهن أو تحرش بهن وتُسجل المخالفات ويحال أصحابها فوراً إلى التوقيف والسجن ويغرموا غرامات مرتفعة رادعة بحيث لا يتجرأ إنسان على مضايقتهن أو إيذائهن. وأن يتزامن مع ذلك إصدار قرارات بتخصيص مدارس تعليم القيادة تُعتمد شهادتها لإصدار الرخص، وأيضاً استحداث أقسام نسائية في مراكز المرور تقوم بالتعامل مع الرخص النسائية وكل مايتعلق بالمخالِفات والاحتياجات الأخرى.

خلاصة

أتمنى أن تحسم السلطة السياسية هذا الجدل وتقرر ما كان يجب أن يكون منذ زمن وهو السماح للمرأة بقيادة السيارة كما حسمت من قبل السماح بتعليم المرأة. قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة سيقلص عدد السائقين المستقدمين من الخارج وأغلبهم يجهل اللغة واللباقة وأحيانا مهارات السياقة كما سيقلل من التحويلات النقدية الفلكية الى خارج دورة البلاد الإقتصادية.

كذلك بما أن المادة الثالثة والأربعون من النظام الأساسي للحكم تؤكد على أن "من حق كل فرد مخاطبة السلطات العامة فيما يُعرض له من الشؤون"، فإني أناشد سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ المفتي العام للمملكة وهو يستعد للإنتقال لمحافظة الطائف جرياً للعادة السنوية أن يوجه متكرماً مشكوراً بدراسة جادة لموضوع قيادة المرأة للسيارة في ظل متغيرات العصر.

قضية قيادة المرأة للسيارة شبيهة بقضية التعليم في بدايتها حينما عارض بعضهم افتتاح المدارس للبنات قال الملك فيصل - رحمه الله - «ها هي المدارس مفتوحة الأبواب، من أراد أن يعلِّم ابنته فعلى الرحب والسعة، ومن أراد غير ذلك فلا سلطة لي عليه».



No comments: