January 9, 2010

ثقافة حرية الرأي بين "الصحوة" و"الاختلاط" و"تأصيل الاعتدال"

ثقافة حرية الرأي بين "الصحوة" و"الاختلاط" و"تأصيل الاعتدال"

عبدالله العلمي
الوطن
السبت 9 يناير 2009

من الواضح أن سقف حرية الرأي في الشأن العام في السعودية يشهد ارتفاعاً نسبياً ملموساً – ولو محدوداً ـ في الفترة الأخيرة. يشير الدكتور تركي الحمد بذكائه المعهود ولباقته الأدبية في مقاله الأخير في الزميلة الشرق الأوسط إلى أن ما يحدث في السعودية من إعادة التفكير في مفاهيم كانت إلى يوم قريب من المحرمات، أو من "التابوهات" القطعية التي لا يجوز الاقتراب منها، خير مؤشر على ما يجري في عالم إسلامي بأسره. ولعلي أضيف هنا أن من خلال قراءتي لمفهوم إعادة التفكير في "التابوهات" التي أشار إليها الحمد، أنها تواكب النهضة الثقافية التي يمر فيها المجتمع السعودي بكل شرائحه وتوجهاته سواءً المتحررة فعلياً وعملياً أو المتحجرة أيديولوجياً وفكرياً.

أكبر دليل على تجدد النشاط الثقافي هو ما تشهده أعمدة الصحفيين والكتاب من آراء جريئة كانت لفترة زمنية قصيرة ماضية على قائمة الممنوعات في سجل سعادة الرقيب الآمر الناهي
. ليس هنا المجال لتحليل ما جاء في مقال الحمد عن التاريخ السلفي في المملكة العربية السعودية بما فيه مرحلة "الصحوة"، ولكني أتفق مع الكاتب أننا نمر اليوم في حراك ثقافي واضح لمواجهة من يعتقدون أن السعودية ساكنة فكريا، راكدة ذهنيا، وجامدة دينيا. يأتي هذا في سياق التحديات التي يواجهها المثقفون في إبداء آرائهم في التوجهات المختلفة للتواجد الديني المتشدد... في كثير من الأحيان.

من الأدلة على ما رمى إليه الدكتور الحمد عن ضرورة إعادة التفكير في مفاهيم كانت إلى يوم قريب من "التابوهات" القطعية التي لا يجوز الاقتراب منها، الخطوة غير المسبوقة للشيخ الدكتور أحمد الغامدي، مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة. الشيخ الغامدي ـ الرجل القادم من الباحة التي تفتخر بأنها أخرجت الصحابي عبدالرحمن الدوسي الملقب بأبي هريرة ـ ذكر في مقابلة صحفية مؤخراً رأيه الواضح في مسألة الاختلاط، بل وفند من هاجم رأيه أو هاجمه شخصياً بسبب ما ذكره من أدلة صحيحة وصريحة عن جواز الاختلاط.
أختلف مع فضيلة الشيخ الغامدي في عدة أمور ومنها رأيه أن زيارة الآثار التاريخية تزعزع عقيدة المسلم. ولكن في موضوع الاختلاط طرح الشيخ الغامدي وجهة نظره من منطلق ثقافي معتدل تسانده الأدلة الشرعية الصحيحة... لم يتحدث الشيخ الغامدي من برج عاجي محنط ولم يصدر أي فتوى من صومعة مغلقة.

ورغم محاولات البعض التجريح والإساءة للدكتور الحمد أو الشيخ الغامدي، إلا أن كلاً من الرجلين عبر عن رأيه بشجاعة رغم حملات التشويش والتشكيك ضدهما. هذه القفزة النوعية في أسلوب إبداء الرأي زادت النهضة الثقافية توهجاً.

أتفق مع د. الحمد أننا بحاجة اليوم "لصحوة حقيقية" تبشر بالحياة ولا تدعو إلى الموت أو تنذر بالويل وعظائم الأمور. نعم لقد مللنا من سماع محاضرات عن تكفير كل من صافح امرأة أو كَفّرَ من لم ترتد الحجاب القاتم والكامل والشامل من الرأس ومروراً بالعقل والفؤاد إلى أصغر أصابع القدمين. كذلك سئِمنا سماع الخطب الحاقدة على الأمم الأخرى. ونعتها بالقردة تارة والخنازير تارة أخرى.

لكي تنجح ثقافة حرية الرأي علينا إعادة النظر جدياً في عملية الاستنساخ الآلي والتفريخ المستتر للخريجين في تخصصات لا تفي بطموحاتنا التنموية الاقتصادية والصناعية. ثقافة حرية الرأي تعني ضرورة مراجعة أصول الخطب التي تتوعد وترعد وتزبد. نعم... لقد أصاب الشيخ الغامدي بقوله إن الخطاب الديني مع امتداد الزمن سيمتد معه الكثير من الخلل، وأن الحق لا يُترك لأنه قد نادى به من لا نحبه أو من لا يعجبنا رأيه.

الصحوة الحقيقية هي تأسيس "كرسي تأصيل منهج الاعتدال" ونبذ العنف، ولكنها لا تعني بتاتاً التهجم الشرس من علماء دين أفاضل على الكُتاب والمثقفين لأنهم أدلوا بدلوهم في الحراك الثقافي العام.

الصحوة الحقيقية أن نكرم الطالبات فنبتعث المتفوقات منهن لأفضل جامعات الكون لدراسة العلوم والرياضيات والمحاسبة والقانون، ولكنها لا تعني بتاتاً أن يستوقف رجال الهيئة طالبات الكلية للتأكد من الهويات ومعرفة علاقة الطالبة مع مرافقها أو ملاحقة الفتيات في دورات المياه والاعتداء عليهن بالضرب والرفس بحجة منع الخلوة.

الصحوة الحقيقية وقوف رجال الشيعة السعوديين الكرام بحزم بجانب وطنهم المملكة العربية السعودية في رد اعتداء الحوثيين في الجنوب، ولكنها لا تعني بتاتاً أن تقوم فئة منا بالتشكيك في ولاء المواطنين الشيعة أو في المراجع الشيعية أو تكفيرهم في بعض الأحيان.

الصحوة الحقيقية أن تبث قنوات الإذاعة والتلفزيون الرسمية الموسيقى والأفلام وأن نشجع ثقافة المسرح، ولكنها لا تعني بتاتاً التهجم الغوغائي على المهرجانات الترفيهية البريئة بحجة منع الاختلاط ودرء المفاسد.

بصراحة أجد صعوبة في محاولة فكّ التشابه بين من هاجم الدكتور تركي الحمد ومن هاجم الشيخ الغامدي، فالمهاجمون فئة واحدة خلطوا بين "صحوة" الحجاب والاختلاط وعذاب القبر والدمار، وبين صحوة تأصيل منهج الاعتدال الداعي للمحبة ونبذ العنف والتنمية والتطور والتسامح والسلام.

http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3389&id=16950&Rname=205



مناقشة الموضوع مع الاعلامية ميساء العمودي
قناة الآن
http://akhbar.alaan.tv/ar/videos/video-reports-ar/abdullah-5.html

No comments: